ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
مدارات - المصالحة والبحيرة
29/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : عدلى صادق

لعل من بين أهم عناوين الدروس التي تعلمناها من الثورات المتفجرة في العالم العربي، أن الشعوب كانت معنية باستعادة أوطانها حرة وديمقراطية، وإزالة كل سمات الشؤم والأحادية والاستبداد والفساد، عن وجوه هذه الأوطان. وباعتبارنا، فضلاً عن ضرورات استعادة الديمقراطية لنظام سياسي واحد موحد، نواجه تحديات الاحتلال والعملية السلمية، ونعرف أننا في سباق مع الزمن، وبتنا في حاجة قصوى الى سلامة الورقة الفلسطينية، لكي نخوض معترك السياسة، وصولاً الى التسوية المتوازنة التي تؤمِّن الحد الأقصى الممكن من الحقوق الوطنية. ولا بد، كلما ذكرنا تعبير الحد الأقصى من الحقوق؛ أن نؤكد على أنها لن تقل، رُغم أنف العنصريين المحتلين، عن الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، والحل العادل لقضية اللاجئين، وفق قرارات الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة وحقائق التاريخ!
* * *
سيكون من بين المُرتجى، في ظل حكومة التوافق المنتظرة، ممارسة النقد والنُصح، لكي لا يُستغل حرص الرئيس أبو مازن على الوفاق لجر الكلام الإنشائي والتوسع فيه توخياً لاستثارة الإعجاب، علماً بأنه بلا قيمة على مستويي الحقائق والضرورات السياسية. أمس الأول، كان د. الزهار ضيف «الجزيرة مباشر» على الهواء، ولمساحة زمنية طويلة. ننصح الأخ الزهار بالخروج من مزاجية الغمز والتشبيهات الساخرة، وكأن الطرف الآخر عاد الى وجهات نظره الصائبة والمتعوب عليها. تحدث عن فرضية التنسيق الإجرائي مع الاحتلال، بالمنطق الدعائي نفسه المفعم بالتخوين الجزافي، على الرغم من الحذر في الألفاظ. فقد بات معلوماً لجميع المعنيين بأن يعرفوا، أن مسألة التنسيق الإجرائي مع سلطات الاحتلال، لا علاقة لها بالمقاومة، وأن الموقف الأمني للسلطة، حيال العمل المسلح ضد الاحتلال، أحادي وهو الموقف نفسه الذي ألزمت حماس نفسها به في غزة. ولا يصح السخرية والقول إن بحيرة المفاوضات عندما جفت اتضح أنها خالية من الأسماك. ذلك لأن الأمر الأهم الذي اتضح، هو أن بحيرة الزهار والسوريين والإيرانيين ليست مليئة بأسماك السلطان ابراهيم فضلاً عن الطحالب. ثم إن المنطق يقول: يهون جفاف البحيرة، ومعه خيبة أمل الصياد سمكيّاً، عن تدمير غزة وجر الموت للناس في مقامرات لا يخوضها صياد مبتدئ. فالشهيد ياسر عرفات عندما خاض في بحيرة المفاوضات، كان له شركاء آخرون، انقلب عليهم الحاكمون الآن في الدولة العبرية، وعندما اتضح أن مفاعيل الانقلاب تتفاقم، أشهر الزعيم الفلسطيني لاءاته وسلاحه في ظروف سياسية وميدانية مستحيلة، وقضى شهيداً. فـ «بلا منها» مثل هذه الغمزات على شاشات التلفزة الفضائية!
* * *
لسنا بلهاء لكي نحتفي قبل أن نتأكد من حُسن الختام، بنبأ التوقيع بالأحرف الأولى على ورقة للتوافق. واجبنا أن ننبه الى ضرورة تحاشي اللجوء الى الكذب في التعليلات. نحن الآن متفقون على ضرورة تبادل هدايا الاحترام والمنفعة، مع النظام المصري الجديد، أو مع «الثورة». نعطي للمحروسة ما يليق بحجم مصر وتاريخها وما يساعدها الى استعادة ريادتها، وهي تعطينا رعايتها وعونها السياسي واللوجستي الذي يساعدنا في الوصول الى الديمقراطية والوئام المطلوب للصمود وحقيق الأمنيات. وليعلم الجميع أن الإسرائيليين الذين هم الأعداء المحتلون، ما زالوا يشكلون عاملاً خطيراً في واقعنا الفلسطيني. فموضوع ارتباط غزة بالضفة ما زال في أيديهم، ولا مجال لإطلاق الكلام على عواهنه، بخصوص فك الارتباط مع السوق الإسرائيلية ومع غلافها الجمركي، لأن هذا هو بالضبط ما يتمناه المحتلون وما عملوا طوال فترة الخصومة على تنفيذه فعلياً، فأخرجوا الكثير من متطلبات السوق الغزية من الغلاف الجمركي. هم يريدون أن يصبح ارتباط غزة بمصر لكي يتخذوا من ذلك ذريعة لإغلاق المعابر الأخرى، وإنها العلاقة بين الضفة وغزة، وسد الحدود نهائياً، ولنا أن نتخيل الخطوات اللاحقة: تفتيت مشروع الدولة الفلسطينية بالحقائق الجغرافية البديلة، لا سيما في ظل انسداد الأفق السياسي، وتدبير مشروع آخر للضفة، بالتضييق على السلطة فيها وتجديد الذرائع في كل فترة لمهاجمتها وإضعافها. وكثيراً ما نبهنا الحمساويين الى أن المحتلين يهاجموننا على محورين: محور غزة لكي يفرضوا وقفاً إجبارياً للنيران منها. ومحور الضفة للحط من شأن السلطة وإضعافها معنوياً وإحراجها أما الشعب، باختلاقات على شكل تسريبات، لكي لا يكون لنا أدنى احترام، حتى بلغ بالمحتلين تخليق القصص والفضائح عن منع السلطة لإطلاق النار عليهم. ذلك كله بمعنى أن المحتلين أرادوا منعنا من الاثنتين، المقاومة وممارسة السياسة من المنطلق الوطني!
لست مضطراً لإرضاء أحد أو التأكيد على أن نجاح المصالحة، هو من أعز الأمنيات الشخصية لي ولكل وطني، لذا فإنني أنبه الحمساويين الى أمر مهم ينبغي أن يأخذوه في عين الاعتبار: لا قيام لكيانية مهابة ومؤثرة سياسياً في اتجاه استرداد الحقوق، إن تمسك أي طرف، فتحاوي أو حمساوي، برغبته في الاحتفاظ بقوة فصائلية أو ميليشاوية، متمظهرة أو متسترة، يكون بمقدورها ممارسة الحق في الإكراه وقتما شاءت، أو التدخل للإخلال بالقواعد الصحيحة لقيام الكيانات الحاضنة لمصالح الناس وامنياتها ونضالاتها وجهودها ونشاطها الاجتماعي والاقتصادي.
لا قيمة لكيانية، ولا أمان لمجتمع، تكون فيه قوة أخرى، قادرة على ممارسة الحق في الإكراه، بخلاف القوة الشرعية محتكرة هذا الحق، دستورياً، نيابة عن المجتمع ولمصلحته وبالقانون. إن افضل ما فعله سلام فياض في الضفة، بدعم من الرئيس أبو مازن، هو إعادة بناء قوة الشرطة والأجهزة الأمنية المحترفة، وشطب الميليشيات بدءاً بتلك التابعة لفتح، وإنهاء وضعية وجود نويات لقوى إكراه غير دستورية، تحت عنوان المقاومة، فيما حسبة المقاومة معلومة بالقلم والمسطرة، ولا قدرة لا للمجتمع ولا للفصائل على ممارستها بالنيران، في ظل موازين القوى والوقائع الجيوسياسية الراهنة!
في هذا الإطار، نتمنى على الحمساويين أن ينتصروا على لغتهم، وعلى كل ما هو مألوف من تفوهاتهم، وأن يساعدوا في دفع المصالحة الى الأمام، لأن هذه الفرصة هي فرصتهم أولاً قبل أن تكون فرصة الآخرين. فقد علمت من الميدان في غزة، أنهم أمروا بالعمل سريعاً، على وضع وتنفيذ خطة تصالح مع المجتمع، قوامها إظهار الود والتواضع وحتى الندم، لكي يدخل الاتفاق حيز التنفيذ بكل سلاسة!
آمل أن يتمعن الحمساويون في هذه السطور، ولهم علينا أن لا نبخل بالنصيحة ولا بحُسن النية. فهم في الأول والأخير من أبناء شعبنا. وفي إطار هذا التمني أطمح الى وقف فوري للتنظيرات الجوفاء، فـ «بلا منها» حكاية البحيرة التي جف ماؤها. إن بحيرة الأوهام كلها هي التي جفّت، أما بحيرة الواقع والتوقعات المبنية على ما فيها، فقد تكرمت على صنارة الفلسطينيين، بتباشير وفاق، نسأل الله أن يكون طيب المذاق!

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع