ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
مدارات - المصالحة وخارطة طريق
27/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : عدلي صادق

في كل مرة، كانت الرهانات الإقليمية، تشكل أحد عاملين رئيسيين، لتراجع حماس عن مشروع الوفاق الوطني. اليوم، كان سقوط هذه الرهانات، مثلما كنا نتوقع دوماً في سياق ما نكتب؛ هو العامل الأهم، الذي يأخذ حماس، الى منحى تصالحي مستجد، سواء كان هذا المنحى قصيراً بما يكفي للمناورة وكسب الوقت، أو طويلاً واستراتيجياً على النحو الذي يُسهم في استعادة وحدة الفلسطينيين. فالحاكمون في سورية الذين هم أصلاً ليسوا «غنيمة» قبل أن يقتلوا شعبهم بحقد طائفي؛ ذهبوا بأنفسهم الى المستنقع، وانقلبت وجهة دباباتهم الى حيث مهاجع نوم الناس وشوارع غضبها. والإيرانيون ليس لديهم أي مشروع جهادي، مثلما توهم الحمساويون. فقد راهن الشهيد أبو عمار ذات يوم، على طهران ودمشق، ومعهما بغداد، وصار يبشّر ويُرعد: إن خط جبهة القتال، يمتد الآن، من صور الى خراسان، ثم فوجئنا بأن الحمل كان كاذباً!
ثورات الشباب، في العالم العربي، لا تطمح الى أكثر من استرداد مقدرات أوطانها. ويتمنى المنتصرون أن يوفقوا في جمع الدراهم التي نهبها الناهبون، فضلاً عن إحراز الحرية المباشرة، والعدالة، والاصلاح السياسي. ففي سورية نفسها، التي لها أراض محتلة، لم يطلق الشباب هتافاً أو شعاراً واحداً يتعلق بالنفير، ولم يتذكر أحد إسرائيل الغاشمة، ولم يجعل ناطق حقوقي أو سياسي معارض، من بين مآخذه على النظام، الوقف المديد لإطلاق النار، وعدم العمل على تحرير الأرض، وهو النظام الممسك بأسلحة البر والجو والبحر!
بدا واضحاً لكل منصف، أننا كنا وظللنا على صواب، عندما وضعنا هذه الوقائع، في حسابات السياسة. فمن لا يأخذ بوقائع الحال الوطني والإقليمي، وبتجارب التاريخ، عند صياغة الموقف السياسي، سيكتشف أنه تحول الى جعجعون، وربما يجد نفسه منخرطاً في ممارسات لا علاقة لها بالوطنية. فليس في موقفنا ما ينم عن الكُفر بالمقاومة، التي هي حق مشروع للشعوب الرازحة تحت الاحتلال. لكن طبيعة هذا الاحتلال المدجج بالسلاح الأحدث في العالم، تفرض علينا أشكالاً أخرى من الكفاح الوطني. فلا عيب في هذا، ولا تأثير على ثقافة ومواقف التحدي والتمسك بالحقوق، ولا على الاستمرار في البناء والحفاظ على صحة المجتمع وأمنه ونموه. وليس أدل على ذلك من أن المستنكفين عن المقاومة، بحكم حسابات الميدان، سموا أنفسهم ممانعين، وانضم اليهم في التسمي، الممسكون عن القتال لعدم الرغبة والقناعة به أصلاً. فلنتوافق على ممانعة جامعة، دون أن يكون لطرف، حق المزاودة على طرف آخر!
* * *
قلنا إن العامل الإقليمي الذي أبعد حماس عن الوفاق الوطني، كان صرحاً من خيال فهوى (مع الاعتذار للشاعر وللمطربة). الآن تأخذ وقائع الحال الإقليمي، الحمساويين الى المنحى التصالحي. لكن العامل الثاني، الذي كان يبعدهم عن هذا الاتجاه، فهو المتعلق بتجربة حماس في الحكم وغواية السيطرة على غزة. وينقسم هذا العامل الى نقطتين، الأولى لا تزال قائمة، ويصح ان نطلق عليها وصف الزمبرك. فالمتورطون مع الناس، ومهدرو كرامات خلق الله من مواطني بلادهم، وأثرياء الخصومة والأنفاق، وجُل هؤلاء من المليشيا التي يسمونها عسكريين؛ ما زالوا على قناعة بأن الضغط على المجتمع، بطريقة تثبيت الزمبرك على صدره؛ هو الوسيلة الوحيدة ليس للنجاة وحسب، وإنما للاستمرار في التبغدد في أموال الرُيوع، والزواج مثنى وثلاث ورباع. أما في حال رفع القدم عن الزمبرك، فإن المجتمع «سيفعط» في وجوههم، وسيبدأ مسلسل الثأرات وتصفية الحسابات والاقتصاص. لهؤلاء، نقترح صياغة خارطة طريق تفصيلية، تبدأ بديباجة سياسية قوامها أنهم تحولوا من مقاومين مُفترضين ذوي ردود موعودة مزلزلة، الى مانعي مقاومة. ثم يجيء في النص، إرضاء المجتمع وتكريس هيبة الكيانية الوطنية بالقانون. ويبذل الساسة والأخيار الجهود من أجل تسوية القضايا الأقل تعقيداً. فنحن مع مواجهة كل قاتل عمداً، بجريمته، ومع أخذ الحق منه إن كان معتدياً وليكن السجل مفتوحاً لكي تُحسم الحقائق للتاريخ. وننبه منذ الآن، الى أن شريحة المتورطين ستفعل المستحيل لكي تعرقل، لا سيما وأن الشيطان يكمن في التفاصيل، وأمام مشروع المصالحة مشوار طويل مزدحم بالتفاصيل. والمعرقلون أحباب الشياطين. بالتالي لا بد من التوافق أيضاً على صيغة لمواجهة معرقلي الوفاق الوطني، من الجانبين.
أما النقطة الثانية، من العامل المتعلق بالحكم الحمساوي في غزة، فهي ربما تساعد في الدفع الى المنحى التصالحي، لأن الاستخلاصات الشعبية من تجربة حماس في السلطة، باتت فضيحة غير مسبوقة، ربما لا نجد شبيهة لها، إلا في العصور المملوكية. إن أفضل ما يمكن أن تفعله حماس لنفسها، هو أن تعاجل الوعي الجمعي للناس، بممارسات لتطييب النفوس وإظهار الحماسة للمحاسبة والإصلاح، وتعميم سلوك التأدب في مخاطبة المواطنين، لكي لا تصل أنباء الحكاية الى الشعوب العربية، فينقطع رزق «الإخوان المسلمين» ويضيع منهم المُتاح من الفرص.
ستثبت الأيام، أن فشل حماس في تغيير طابع الفساد والاستبداد، في حكم غزة، هو الذي يدفعها الآن للانفتاح على المجتمع كله، وعلى القوى السياسية، لكي تأخذ الأمور مساراً آخر، مطعماً بنبل المجتمع وتسامحه وأخلاقياته.
وعلى قدر ما للوفاق الوطني من أهمية، ومن جدارة في أن يصبح مبعث سعادة الوطنيين؛ فإن الطريق ما زال صعباً ويحتاج الى همم الأحرار والأطهار والمخلصين من رجال هذا الوطن وسيداته. ويحتاج الطريق، فضلاً عن الهمم، الى خارطة للمسير!

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع