ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
'مستشفى غزة'.. يروي ذكريات الأحداث الأكثر وحشية في تاريخنا المعاصر
11/06/2012 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:

رام الله- فلسطين برس- الشرق الأوسط- ينتصب هيكل طويل لمبنى وسط مخيمي صبرا وشاتيلا في بيروت. وهذا المبنى، الذي كان معروفا في السابق باسم مستشفى غزة، يشار إليه الآن باسم مبنى غزة. في سبعينات القرن العشرين، كان هذا المستشفى من بين المستشفيات التي بها أعلى نسبة إشغال في المخيمين، والذي يمول من قبل منظمة التحرير الفلسطينية. أما الآن، فقد تحول المستشفى إلى مبنى سكني. ويحوي هذا الهيكل، الكائن في موقع بارز، ذكريات من الأحداث السياسية الأكثر وحشية في تاريخنا المعاصر: المذابح التي وقعت في عام 1982 في مخيمي صبرا وشاتيلا. وهذه الذكريات هي موضوع الفيلم الوثائقي «مستشفى غزة»، الذي عرض ضمن برنامج مهرجان «لندن فلسطين» هذا العام. وأعقبت الفيلم فرصة نادرة لمشاهدة المخرج الإيطالي ماركو باسكويني، إلى جانب المخرجة مونيكا ماورير والدكتورة سوي أنغ، اللتين كانتا شاهدتين على الأحداث في هذا الموقع قبل ثلاثين عاما.

تزامن العرض الأول لهذا الفيلم البريطاني، الذي تم الانتهاء من تصويره في عام 2009، مع الذكرى الثلاثين للمذبحة كتذكرة بهذا الحدث المروع. شارك في تقديم عرض الفيلم منظمة «المساعدة الطبية للفلسطينيين»، وهي منظمة أسسها مجموعة من الأطباء، من بينهم الدكتورة أنغ فور وقوع مذابح صبرا وشاتيلا بهدف تزويد بيروت ورام الله ومدينة غزة بالدعم الطبي.

يمزج فيلم «مستشفى غزة» لقطات الصور الأرشيفية التي تعود إلى 30 عاما مضت والتي التقطتها ماورير، مع صور حديثة. عملت ماورير، المخرجة الألمانية المولد، مع وحدة «أفلام فلسطين» في توثيق عمل وكفاح منظمة التحرير الفلسطينية الثورية في تلك الفترة.

ومن خلال الرجوع إلى صبرا وشاتيلا في الذكرى السنوية للمذبحة التي وقعت هناك، سجل باسكويني ذكريات لقاء الأصدقاء القدامى والمشاهدة الحية للأحداث من جانب الدكتورة أنغ والممرضة إيلين سايغيل، والمسؤولة الإدارية عزيزة خالدي، وآخرين كانوا يعملون في المستشفى. يعتبر الفيلم، الذي يلمس أوتار القلب وفي مواضع عدة يجعله يتمزق ألما، رواية نادرة وصفت بأنها «مهمة» ببساطة بسبب توظيفها للصور التي التقطتها ماورير والتي لم تتم مشاهدتها من قبل، فضلا عن توثيقها لذكريات المذبحة. وفي الفيلم، تتحدث الدكتورة أنغ وزميلتها الممرضة سايغيل، عن حصار المخيمين والمستشفى، والموقف المفجع حيث أدى نقص الأدوية وتحطم النوافذ والحوائط وصوت الضوضاء المستمر الصادر من الطائرات القتالية إلى جعل ظروف العمل سيئة للغاية.

ويسلط التنقل المستمر بين الصور التي تعرض للمذبحة التي وقعت عام 1982 والصور التي تم التقاطها في الوقت الحاضر الضوء على المبنى الإسمنتي الفظ بصورة مخيفة، على نحو يولد إحساسا محيرا إزاء ماضي وحاضر تاريخ ما زال ملموسا. وعن الفيلم الذي استغرق إنتاجه خمس سنوات، يتحدث باسكويني قائلا: «استغرق العمل وقتا طويلا بسبب جملة الأبحاث البشرية التي تم إجراؤها والبحث عن الأفراد المطلوبين وأرشفة الأبحاث». تظهر الصور القديمة ميليشيات أثناء القتال وأطباء – من بينهم الدكتورة أنغ والممرضة إيلين – يساعدون المصابين، ويتحدثون إلى الأطفال وينقلون الأسرة إلى مواقع أكثر أمانا. وتشرح الممرضة سايغيل في الفيلم: «عندما اخترقت الطائرات المقاتلة الإسرائيلية حاجز الصوت، تعين علينا نقل المرضى إلى مستويات منخفضة».

تروي الدكتورة أنغ قائلة: «سرعان ما أدركنا أن من لقوا مصرعهم كانوا هم سعداء الحظ. لقد قتل الناس بلا رحمة».

تظهر إحدى الصور التي تصور مذبحة 1982 الوحشية امرأة تغطي أنفها وفمها، كاشفة عن وجوه ضحايا مشوهين أجسادهم مغطاة بملاءات.

في أحد المواضع، يسمع الجمهور عرفات يتحدث عن تحويل القبو إلى مسرح عمليات. ومن تعليقه، ينتقل الفيلم إلى الوضع الحالي للقبو، حيث توجد الآن صالة ألعاب رياضية على أحد الجوانب وحطام على الجانب الآخر، بعدها تدخل الدكتورة إلى المبنى في حالة من الحيرة والصدمة من حالة الدمار التي هو عليها.

كذلك، كان المستشفى الذي يحمل اسم غزة تخليدا لذكرى القطاع الذي لم يعد الفلسطينيون قادرين على زيارته، ملجأ للمشردين، من اللبنانيين والفلسطينيين بالمثل من دون مقابل. ويتضمن الفيلم أيضا مقابلات مع سكان المبنى الحاليين، الذين يتذكر بعضهم الفترة التي كان فيها المبنى عبارة عن مستشفى، حتى أن أحد أبناء أم عصام، التي تعيش بالطابق السابع، قد تلقى العلاج هناك.

«أدهشني مستشفى غزة بسبب العامل البشري لا السياسي. بالطبع، كان لدي دافع سياسي، لكن الأساس كان هو حقيقة أن هؤلاء الأفراد الموجودين هناك يكرسون حياتهم وأرواحهم لمد يد العون للآخرين».. يعلق باسكويني. ولم يكن وحده الذي استقى مصدر إلهامه من سكان صبرا وشاتيلا والأطباء الذين يتذكرون وقائع المذبحة وسكان المبنى الحاليين. ففي أثناء المناقشة التي أعقبت الفيلم، علق كل من ماورير والدكتورة أنغ بقوة على جلد الشعب الفلسطيني. تقول الدكتورة أنغ: «كونك فلسطينيا لا يجب أن يجعلك تفقد الأمل مطلقا، أعتقد أننا قد اكتشفنا ذلك».

وصفت ماورير كيف استمدت مصدر إلهامها من عمل منظمة التحرير الفلسطينية لدعم وتمكين اللاجئين في لبنان: «بدأت بالتضامن مع الشعب الفلسطيني واللبناني. بالتحول إلى لبنان، كان من المدهش مشاهدة البنية التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية وثورتها. كان ذلك المستشفى أحد المستشفيات الثمانين التي أنشأتها منظمة التحرير الفلسطينية. قمت بتصوير ذلك المبنى قبل 30 عاما من تصوير فيلم ماركو باسكويني. مثلما قالت الدكتورة أنغ، أنشئ المبنى وأعيد تجديده مرارا وتكرارا».

تشرح ماورير قائلة: «كانت هناك أجنحة مخصصة لتقديم المساعدات للأمهات الحوامل وتقديم الرعاية للأطفال حتى سن عامين مجانا، فضلا عن تقديم اللقاحات. وكان ينظر إلى التعليم بوصفه الوسيلة المثلى للخلاص من الاحتلال، ومن ثم تم توجيه قدر كبير من التركيز إلى تلك الفكرة. علاوة على ذلك، فقد كانت هناك أيضا مراكز لإعادة التأهيل، فضلا عن مصنع للأطراف الصناعية ومدارس التعليم المهني للمساعدة في التوظيف».

لقد تم عرض الفيلم ثلاث مرات في بيروت. عرض باسكويني الفيلم، بينما كان ما زال يحاول إجراء مقابلات مع سكان غزة للتأكد من موافقتهم. يتحدث للجمهور باستخدام القليل من المفردات العربية التي يعرفها قائلا: «لو كانوا قد أبدوا اعتراضهم، لقلت لهم (خلاص) وأوقفت الإنتاج». يصف باسكويني الواقعة الغريبة المتمثلة في جعل جميع سكان صبرا وشاتيلا يأتون إلى مقر الجامعة الأميركية في بيروت لمشاهدة الفيلم بمجرد الانتهاء من تصويره.. «اكتظت الجامعة، وهي عبارة عن حرم جامعي تحيط به إجراءات أمنية مشددة، حيث لا يسمح لأحد بالدخول من دون بطاقات هوية قانونية، بجموع من البشر لم تكن بحوزتهم بطاقات هوية لبنانية». يتذكر باسكويني هذا اليوم باعتباره من بين أفضل لحظات حياته قائلا: «في النهاية، فتحوا كل البوابات وسمحوا للناس بالدخول».

إن «مستشفى غزة» فيلم وثائقي خالد، وإنساني بحق، بالتقاطه واحدة من أكثر اللحظات وحشية في تاريخ الشرق الأوسط.

 

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع