ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
الحراك العربي: تخصيب للمجتمع السياسي والمدني
26/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : علي جرادات

الحركة الاجتماعية أعقد أشكال الحركة، فيما الحركة السياسية هي الأعقد من بين أشكال الحركة الاجتماعية، ما يفرض ضرورة عدم حشر الحراك السياسي للشعوب، وبضمنه الحراك الشعبي العربي الجاري، في معادلة الأبيض والأسود من المحاكمات والمقاييس الحسابية. لذا، فإنني لست مع حصر نجاح الحراك الشعبي العربي في مقياس إسقاط هذا النظام العربي أو ذاك فقط. فرغم أهمية هذا المقياس كمقياس أول للتقييم، فإن المسألة هنا أكثر تعقيداً، ولا يجوز تبسيطها، ذلك لأن الأهم من إسقاط النظام القائم، إنما يكمن أكثر في طبيعة النظام القادم محتواه. فقد سبق وأطيح بنظم عربية، رفع من جاء بعدها، (بالانقلاب أو بالوراثة أو بالتوريث)، لواء التصحيح، كشعار لازم للعبور إلى السلطة، إنما دون ترجمات فعلية وحقيقية لهذا الشعار، حتى، وإن تحقق شيء منه في بعض الحالات خلال السنوات الأولى للتغيير، وذلك على قاعدة 'أبلسة' الزائل و'تقديس' القادم من الحكام دون وضع الأول كبرنامج وأداء في كفة ميزان الإنجازات والإخفاقات، ودون تقييم لبرنامج الثاني وأدائه اللاحقين، ليكون التغيير هنا تغييراً للشخوص وليس تغييراً للبرامج والسياسات والأداء، وطنياً وديمقراطيا وقومياً.
لقد أفضت هذه الطريقة الحسابية التجريدية في محاكمة التغيير في السلطات السياسية العربية إلى تكريس نظم سياسية أبوية عائلية استبدادية شمولية، تجاوزها العصر والتاريخ، وأفرز تربعها على السلطة لعقود، دون مساءلة شعبية أو مرجعيات قانونية ودستورية فعلية، 'تجريفاً' للمجتمع السياسي والمدني في الوطن العربي، على ما بين أقطاره من تمايز نسبي. لكن هذا لم يطمس جوهر التناقض في الحياة السياسية والمدنية العربية، بل زاده احتداماً، فهذه النظم السياسية، لا تحمل في نظر شعوبها شرعية سياسية أو جماهيرية، ليس فقط نتيجة فشل برامجها وسياساتها وأدائها، بل أيضاً بسبب وصولها للسلطة عبر الانقلاب أو الوراثة أو التوريث.
وقد تجلت عمليات 'التجريف' و'التصحر' في المجتمع السياسي والمدني العربي فيما تعرضت له القوى السياسية الشعبية المناهضة للنظم العربية الحاكمة لكل صنوف القمع، (الاعتقال، الملاحقة، كبت الحريات، الدفع نحو الهجرة والمنفى الخ...)، ما أدى إلى تشتيتها وإضعافها. وبالنتيجة إلى غياب التنظيم السياسي المناهض، القادر على التفاعل المباشر مع الجماهير. فيما جرى السماح لأحزاب معارضة محدودة الحركة، وتكاد تكون معدومة التأثير، ولا تشكل أكثر من ديكور للنظام الحاكم، الذي استوعبها وحوَّلها إلى ملاحق لتزيين نفسه كنظام حكم، تمكَّن أيضا من استيعاب مؤسسات المجتمع المدني، (نقابات وتنظيمات جماهيرية واتحادات شعبية وسلطات حكم محلي الخ...)، بعد أن أفرغها من مضمونها، وحرفها عن دورها المنوط بها، وحوَلها إلى ركيزة من ركائزه، وأداة من أدوات حكمه.
رغم هذا 'التصحر' وذاك 'التجريف' فقد انفجر مرجل الغضب الشعبي العربي الذي ظل يغلي لعقود، إنما بطريقة غير 'كلاسيكية' لتفجير الثورات والانتفاضات، طريقة استحدثتها طبيعة العصر السريعة والعصية على التحكم، حيث خلقت ثورة الاتصالات الالكترونية الحديثة، ناهيك عن الفضائيات، وسيلة جديدة غير كلاسيكية، وغير مألوفة، لإطلاق شرارات الحراك الشعبي العربي، بعد أن انفتح الباب واسعاً أمام الوصول إلى المعلومات، عبر وسائل بات من الصعب على جهاز الدولة البوليسي التحكم بها، وبعد أن باتت العلاقة بوسائل الاتصال الجماهيري أرحب فضاء، وممكنة خارج مؤسسات النظم الحاكمة الإعلامية والمعلوماتية.
بفعل ذلك، ونيابة عن دور 'التنظيم السياسي القائد'، انبرت حركات شبابية، امتلكت منجزات عصرها، لقدح الشرارات الأولى لإشعال الحراك السياسي العربي، الذي تحول إلى انتفاضات شعبية، بعد انخراط الجماهير الشعبية فيه، فضلاً عن التحاق الأحزاب السياسية المعارضة بالركب، كقوى أثرت بشكل غير مباشر أو مباشر أحيانا في مجرى هذه الانتفاضات الشعبية. فالتكنولوجيا الحديثة وفرت، وكانت، وسيلة للتحريض والاتصال، فيما ساهم إعلام قوى المعارضة في توفير مادة هذا التحريض، أي الأفكار، وإن كان دون تماس مباشر أحيانا مع الجمهور، ما خلق للأفكار هيبة جديدة في أسلوبها، ما يعني أن التكنولوجيا كانت وسيلة مساعدة في نقل الأفكار وعرضها، لكنها لم تغن أبدا عن التنظيم السياسي كصانع لهذه الأفكار، وإن لم تنتقل هيبتها إلى هيبة هذا التنظيم السياسي أو ذاك، بل إلى حركات شبابية تمثلت هذه الأفكار، وحولتها بإبداع إلى 'قوة فعل مادية' فعلت فعلها الكبير، وفتحت الباب على إمكانيات واسعة لتخصيب للمجتمع السياسي والمدني العربي وتجديده، كمجتمع عانى لعقود من عمليات 'تجريف' و'تصحر' منقطعة النظير، وتجاوزت كل تصور.
عليه، فإن هنالك من الإنجازات غير المنظورة للحراك الشعبي العربي، لعل من أهمها ما سيفضي إليه من تجديد وتخصيب للمجتمع السياسي والمدني العربي، سواء عبر ما سيخلقه من أحزاب ومنظمات مجتمع مدني جديدة، أو عبر ما جرى من استنهاض وإحياء للقائم المُستوعَب منها. ولعل هذا واحد من الأسباب التي تدعو إلى ضرورة محاكمة الحراك الشعبي العربي محاكمة شاملة واقعية نسبية، بعيداً عن المحاكمات التجريدية الحسابية أو المجتزأة أو المستعجلة أو الميكانيكية الاطلاقية في التقييم والأحكام والقياس. وذلك انطلاقا من الدلالات التالية:
أولاً: الحراك الشعبي العربي ليس حدثاً عاديا، بل هو حدث تاريخي، أطلق صيرورة تغيير، تنطوي على المنظور وغير المنظور، وعلى المباشر وغير المباشر، وعلى الصريح والمُضمر، وعلى التكتيكي والإستراتيجي، وعلى السياسي والاجتماعي، وعلى الوطني والقومي الخ... من الانجازات.
ثانياً: إن هذه الصيرورة تحمل في جوفها صراعاً محتدماً بين قديم يتهاوى، وإن لم ينتهِ كلياً بعد، وجديد يتوالد، وإن لم يكتمل كلياً بعد. وبالتالي، فإن من السذاجة بمكان توقع نهاية سريعة لهذه الصيرورة، ناهيك عن ما بين قُطر عربي وآخر من تمايز نسبي، فضلاً عن تشابك هذه الصيرورة مع تدخلات خارجية معادية، يقف في مقدمتها التدخلات الغربية بقيادة أميركية، التي تستعمل شعارت الديمقراطية وحقوق الإنسان والشرعية الدولية، كمبادئ تُرفع إلى مرتبة المقدسات، إن هي خدمت المصالح الغربية، وتُداس، إن هي تعارضت مع تلك المصالح. هكذا كان، وما زال، ديدن القوى الاستعمارية الغربية في القرنين الأخيرين.
 

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع