ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
مدارات - جبهة التحرير الفلسطينية: حيثما ضربت أوتاد خيمتنا
26/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : عدلي صادق

كلما حلّت ذكرى انطلاقة «جبهة التحرير الفلسطينية» تُستعاد علامتان فارقتان، ميّزتا تجربة هذا الفصيل الوطني، وشكّلتا وساماً على صدره، ومبعث فخر للوطنيين جميعاً. الأولى، قوامها أن يرمي جمعٌ من الشُبان الشجعان، من وراء ظهورهم، كل الحسابات العاطفية والشخصية، ومعظمهم من الفلسطينيين اللاجئين الى سورية، فيتجاوزون عن دواعي الارتباط اليومي بالأسرة وبالمنزل في «المخيم» وعن مقتضيات التواصل مع ملعب الطفولة وذكريات الصبا، ومع الجيران والأصحاب، في بلد نحبه ويسكن روحنا لأنه صنو فلسطين. فقد وضعوا نصب أعينهم، حسابات الانتماء الوطني العام، ومقتضيات الدفاع عن الثورة الفلسطينية، وضرورة حمايتها والتزام خندقها ومشروعها وقرارها الوطني المستقل!
في هذه العلامة الفارقة، كنا بصدد موقف انحياز الشباب، وعلى رأسهم الشهيد القائد أبو العباس (محمد زيدان، و»أبو خالد» في كُنية أخرى) لصالح حركتهم الوطنية وحاضنتها منظمة التحرير الفلسطينية، إذ حسموا أمرهم بالفراق بينهم وبين المرتهنين للنظام الأمني السوري، وهؤلاء المرتهنون، هم أنفسهم، الذين يأخذهم سياقهم، في هذه الأثناء، الى خندق الذين يقتلون الناس في سورية الحبيبة، وينكرون على الجماهير، حقها في العدالة والحرية والكرامة!
* * *
الشهيد أبو العباس، المقاتل المفعم كبرياءً وثورية، يمثل علامة ثانية، فارقة، في تجربة «جبهة التحرير الفلسطينية». هو من أحفاد ظاهر العمر الزيداني، حاكم عكا الطموح في القرن الثامن عشر من الحقبة العثمانية، ومنشئ الحكم المستقل في شمالي فلسطين وصاحب مأثرة بناء عكا وحيفا وسواهما من قرى الجوار. ربما كان أبو العباس، يتمثل التاريخ عندما انشغل لفترة في الطائرات الشراعية، والمناطيد، والزوارق، التي يمكن أن توصله الى مسرح مآثر ظاهر العمر، أو الى مداخل المكان، أو الى «طيرة» حيفا على الأقل. كانت الرفقة الأولى، لأحمد جبريل، فكرة متصلة بالاستحواذ على السلاح وعلى هامش الحركة. أما الرفقة التي سكنت روحه، فهي التي جمعت كثيرين، من بينهم ابن عمه الشهيد فؤاد زيدان، وعمر شبلي (أبو احمد حلب) الذي ووري الثرى في جنوبي الوطن، والشباب كأبي جاسم وواصل أبو يوسف وغيرهما. كأنما استمد من ابن طيرته، الشاعر الجميل حسن البحيري؛ مساراً وجدانياً لعلاقته بفلسطين، منذ المنطلق، وحتى الاستشهاد في السجن الاميركي في العراق. فقبل أن يُسلم أبو العباس الروح، بل قبل أن يقع في السجن ذي الجدران، كان الرجل حبيس الرهانات والأمنيات، مثلما كتبت في يوم سماع نبأ رحيله!
وبعد أن حسم أبو العباس ورفاقه أمرهم، كأنما حملوا على ظهورهم قلقاً يتعلق بالجدارة في الحضور، وبالتأكيد على أن النضال الوطني الحقيقي هو هاجسهم وغايتهم، لا سيما وأنهم انطلقوا في مرحلة الهجوم السلطوي السوري على الزعيم الشهيد ياسر عرفات. كان هجاء عرفات وهجاء حتى من يقترب منه، في تلك الأيام، أي قبل «أوسلو» بنحو عشرين سنة، معزوفة أثيرة لدى من يتوافق إخوتنا السوريون جميعاً، ويتوافق الفلسطينيون، في هذه الأيام، على أنهم كوارث بيئية، يمثلون خطراً على العدالة وعلى الكرامة في الداخل، وعلى مقومات النهوض والتحرير، وعلى كل ما هو ضروري، قبل خوض معارك الشرف والكرامة والعدالة مع المحتلين. ولعل من بين ما يدعو الى التأمل، أن أبا العباس، هو الذي مات قائداً شهيداً، في الحلقة الأخيرة من مسلسل الغزو الاميركي، بينما أشاوس التخوين، كانوا يساندون الغزو منذ حلقته الأولى. كذلك فإن أبو عمار، الذي ظل لسنوات، معادلاً موضوعياً لصفة التفريط في لغتهم العفنة؛ فقد تبوأ مكانته في ضمير أحرار العالم كزعيم شهيد، ظل يقاوم المحتلين، محاصراً، حتى اللحظة الأخيرة. ولعل نشرات الأخبار، الآن، تستكمل المفارقة، وتفتح آفاقاً أخرى للتأمل: مخترعو مصطلح «العرفاتية» يقاومون الآن، غضب الشعب، ويرتعدون خوفاً من أن يدركهم الموت السفيه، غير مأسوف على سحناتهم!
حمل أبو العباس من خلال «جبهة التحرير الفلسطينية» مهمة إضافية وضرورية، وهي التأكيد على أنه اختار فلسطين كمقاتل، لذا فقد كان حريصاً على أن يسلك دروباً غير مطروقة، في المقاومة، في ذروة الحديث عن مقاربات للتسوية. وفي ذلك السياق، سطّر الرجل صفحات حكاية طويلة!
في ذكرى انطلاقة «جبهة التحرير الفلسطينية» نجدد التحية للفكرة وللموقف، وللشباب جميعاً، من شاخ منهم ومن قضى وحتى من أوصلته الدروب الى نقاط بعيدة، ولمن ظل يستلهم من حكاية أبي العباس، مضامين التحديات الأولى، عندما كان الخيار الذي لا رجعة عنه، هو أن تظل فلسطين، منظمةً، أو ثورة مقاتلة، أو قراراً مستقلاً؛ هي أولى الأولويات، على الرغم من كل مرارات الارتحال والفراق. تحية لمن ظلوا مع الركب، حاضرين، حيثما ضُربت أوتاد الخيمة الفلسطينية!

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع