ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
سورية تجتاز نقطة اللاعودة
25/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : رجب أبو سرية

شكل يوم الجمعة العظيمة، فارقاً في حياة سورية الداخلية، حيث مثل نقطة تحول في مسيرة الثورة التي تدور رحاها الآن في البلد العربي، الذي طالما نظر اليه العرب على أساس أنه واحد من أهم معاقل ثورة التحرر العربية التي جرت في خمسينيات القرن الماضي، وواحدا من أهم الدول التي واجهت الاستعمار والتدخل الخارجي، والتي ساندت حركات التحرر في المنطقة على مدى العقود الماضية.
وقد كان يوم الجمعة بمثابة حلقة الفصل بين النظام الذي يصر على البقاء في وجه الريح، ريح الحرية والديمقراطية التي تهب على البلاد العربية من كل حدب وصوب، وبين الجموع الثائرة بعد يوم من الاصلاحات التي قدمها النظام، وأعتقد أنه من خلالها يمكن له ان يعيد السيطرة، وأن يغلق هذا الفصل 'المزعج' في تاريخه الممتد منذ أكثر من أربعين سنة، فيما اعتبرته قوى الثورة يوم التحدي الأهم في تاريخها الذي تكتبه الآن، واستنفرت فيه كل قواها، وألقت في الشوارع كل مخزونها، فكانت المواجهة دامية الى حدود الكارثة، حيث سقط نحو مئة ضحية في ذلك اليوم واليوم الذي تلاه، على اعتبار أن يوم السبت الذي شيع فيه المواطنون السوريون ضحايا الجمعة العظيمة لم يتم أيضا الا مع سقوط ضحايا اضافيين.
يمكن القول إذاً إن الثورة في سورية أصبحت جدية وثابتة بعد ذلك اليوم، وقد اتضح ذلك من خلال أمرين: الأول يذكر بما حدث مع النظام المصري ليلة جمعة الرحيل، حين أعلن حسني مبارك تعديل بنود الدستور المصري التي تسمح باستمرار ولاية الرئيس الى ما شاء الله، لكن الشعب المصري رفضها بما أدى في اليوم التالي الى الاعلان عن تنحي مبارك، نقصد أن اندلاع الاحتجاجات في سورية بشكل واسع يوم الجمعة العظيمة كان اعلاناً واضحاً من المواطنين عن رفض الاكتفاء بإعلان الرئيس الأسد الغاء قانون الطوارئ، والثاني، ظهور اول علامات الانحلال في بعض أوساط النظام، حين استقال بعض النواب من مجلس الشعب، في اول بادرة من نوعها، احتجاجا على مستوى القمع غير المسبوق، والذي حصل لأن النظام في ذلك اليوم وبعد تلك الإجراءات، فقد أعصابه، وأراد ان يوجه ضربة قاضية لحركة الاحتجاج، ينتهي بها كل شيء.
وحتى يمكن قراءة مستقبل ما يحدث في سورية لا بد من لحظ ما يحدث الان في كل من اليمن وليبيا، بعدما حدث في كل من تونس ومصر، فإذا كان كل نظام ممن سبق وان أشرنا إليهم قد وضع في عين اعتباره ما حدث لسابقيه كذلك فعلت 'قيادات الثورة' وهي متعددة ومتنوعة بالمناسبة، بما يعني صعوبة السيطرة عليها، أو احتوائها، لو أن الأمر كان يعني انقلابا، أو احتجاجا تقوم به نخبة او مجموعة شعبية ما، فحسني مبارك حاول أن يتجنب ما فعله زين العابدين، وأصر على البقاء داخل مصر، ليؤخر سقوطه، ولينقذ ما يمكن انقاذه ويمنع ملاحقته أو ادانته عبر التاريخ، فيما علي عبد الله صالح يصر الآن على أن لا يرحل دون ضمانات تكفل عدم ملاحقته قضائيا، وبالفعل هناك ترتيبات خليجية في هذا الاتجاه، أما ليبيا فقد نحت منحى آخر كان طابعه الرئيسي هو المجابهة العسكرية، فيما سورية تسير على درب الثورة السلمية، لكنها تواجه قمعا أشد، ربما يقترب من النموذج الإيراني، حيث يجب أن لا ينسى احد اوجه الشبه العديدة بين النظامين، وأن ايران تقترب من أقفال عام كامل على ثورتها الشعبية المناهضة للنظام والتي انطلقت بعد الانتخابات الرئاسية في حزيران من العام الماضي.
وحيث انه كان واضحا التأثير الواضح وربما الحاسم في تحولات الثورات العربية، خاصة في النموذج المصري، للعامل الإقليمي والدولي، فإن الجميع يلحظ الآن تراجع مستوى التأييد الدولي خاصة لثورة الشعبين اليمني والسوري، على عكس ما يحدث في ليبيا، وعلى عكس ما حدث من قبل في مصر، فإذا كانت الولايات المتحدة، والغرب قد قادا حملة ضد ليبيا وصلت لمستوى اصدار قرار من مجلس الأمن (رقم 1973)، سمح بالتدخل العسكري، والذي شاركت فيه بعض الدول العربية، فإن مستوى الدعم الأميركي والإقليمي لثورة اليمن لا يكاد يكون ملحظا، بل على العكس، حتى في اجتماع مجلس التعاون، حاولت الدول الخليجية بايحاء أميركي أن تصوغ مخرجا لعبد الله صالح ليخرج بهدوء، وان يحدث التحول بطريقة دستورية، كان يطالب بمثلها حسني مبارك، لكن الأميركيين أصروا على الرفض فيما يتعلق بما حصل في مصر.
رد الفعل الأميركي على ما حدث في الجمعة العظيمة في سورية، كان محدوداً للغاية، فوفقاً لما نشرته صحيفة 'وول ستريت جورنال' الأميركية مساء الأحد، اي بعد يومين على المجزرة، أي بعد تفكير هادئ، هو أن وزارة الاقتصاد الأميركية تعكف على دراسة بعض الاجراءات لمقاطعة رجال أعمال سوريين، ووضع العراقيل أمام اتمام بعض الصفقات التجارية، فيما أشارت التقارير الصحفية الإسرائيلية الى أن الإسرائيليين مترددون إزاء احتمالات سقوط نظام الأسد في سورية، فهم من جهة لا ينسون أن النظام السوري الحالي، قد حافظ على جبهة هادئة في الجولان منذ نحو أربعين سنة، في الوقت الذي يعتبر داعما ومساندا للنظام الإيراني ولفصائل الممانعة والمقاومة، وأن سقوطه سيكون بمثابة ضربة للمشروع الإيراني، رغم احتمالات تدخل إيران وحزب الله في مرحلة متقدمة للإبقاء على النظام العلوي، فيما أن الأهم على ما يبدو هو ملامح البديل الذي لم يتشكل بعد عن النظام.
هذا هو جوهر الموقف، وربما ذلك الذي يتعلق بالبديل، فأميركا يبدو انها بدأت تفكر في كيفية 'احتواء' هذا المارد الثوري العربي، وباتت تخشى بديلا شاملا، سيكون دون شك عاملا سياسيا إقليميا سيغير من جوهر النظام الإقليمي، وفي الجوهر، طبيعة الوجود الإسرائيلي، وربما أيضا الدور الأميركي نفسه في المنطقة، فحيث بقيت الثورة، بعيدة عن بحيرة النفط وعن إسرائيل، أي في الشمال الأفريقي، فلا خوف على مصالح الغرب، أما هنا في الجناح الآسيوي فإن الحديث يختلف، بما في ذلك أن تغيير الأنظمة يمكن ان يفتح ملفات عديدة منها الوجود الأميركي، ان كان في العراق أو حتى وجود القواعد العسكرية الأميركية في كل من قطر والبحرين.
هذا يفسر الى حدود بعيدة، مستوى البرود في الموقف الأميركي خاصة والغربي عامة، تجاه ما يحدث في سورية واليمن وتجاه ما حدث في البحرين، لكن ولأنه ليست هنالك اوهام، تشير الى أن أحداً سيعود الى الوراء، لا في اليمن ولا في سورية، ولا حتى في الدول التي لم تتحرك بعد فيها موجة الاحتجاجات، لذا فإن المنطق يكاد يؤكد أن ربيع الغضب العربي، لن يتوقف عند حدود المواقف الأميركية، وقد سطر الشعب السوري ومن قبله الشعب اليمني ملحمة بطولية، تؤكد أن خيار الثورة، بات خيارا وحيدا لا رجعة عنه مهما كانت التضحيات ومهما بلغت شدة القمع، التي لا تزيد النار الا اشتعالا، وأن الثورة منتصرة، حتى لو بدا للبعض ان وقت الانتصار سيكون أطول مما حدث في تونس أو مصر، وان الشعب الذي أجتاز حدود الخوف والتردد، وحسم امره، يزداد عود ثورته اشتداداً يوما بعد يوم، وأن حدود الثورة تتجاوز حدود الإصلاح، فيما يمكن القول بمجازفة أن خيارا وحيدا يمكنه ان يجنب بعض الأنظمة السقوط المدوي وهو ان يتجهوا الى نموذج سيهانوك في كمبوديا خلال سبعينيات القرن الماضي أي ان ينحازوا بأنفسهم للثورة، والى حين ان ينضج البديل الديمقراطي وتتشكل ملامح وركائز النظام الجديد من رحم الحاضر ومن أتون تفاعلات الشارع، ستكون الإدارة الأميركية أكثر يقيناً بخيار الثورة، التي ستغير حتى من طبيعة هذه الإدارة ذاتها التي تقود العالم وما زالت بحاجة الى إصلاح، حيث إنه إذا كانت المنطقة العربية بحاجة الى ثورة ديمقراطية، فإن النظام الغربي بحاجة الى إصلاح ديمقراطي يجدد من سماته الشائخة.

 

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع