ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
مدارات - بشار في هذا الخِضَم
25/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : عدلي صادق

قبل نحو أربع سنوات، ترجمت وأصدرت ستة فصول، من كتاب ضخم، في علم السياسة، يُعد من أهم المراجع المعتمدة في جامعة إكسفورد في حقل دراسات الـ Politics»». وفي ذلك الكتاب، يستعرض المؤلف أندرو هيوود، ويحلل، تركيبة النظم الحاكمة في العالم، ويردها الى خلفياتها الفلسفية والمعرفية، ويشخّصها. وقد بدا أن الرجل أحاط بكل ما في هذه الدنيا من أنواع الحكومات، قديمها وحديثها ومعاصرها، ولم يترك شاردة أو واردة في طبائع الأنظمة إلا وأحصاها!
غير أن متابعة سلوك وطبائع النظام السوري، جعلتني أسجل على أندرو هيوود، أنه لم يتنبه الى ضخامة المفارقات، ولا الى غرابة العلائم في بُنية ومنهج نظام يحكم في دمشق. فما تدل عليه الأحداث الدامية، الجارية الآن في سورية، هو أن غياب الديمقراطية، لم يكن لصالح حاكم فرد شمولي ومستبد، وإنما لصالح رؤوس مستبدة ومستعدة لاقتراف الجرائم، وتملك القوة المسلحة. ذلك بمعنى أن صعوبة التفكير في أفق ديمقراطي في سورية، لم تُفضِ الى ملء المشهد بدور حاسم، يلعبه بشار الأسد رئيس الجمهورية. نحن هنا بصدد نظام فشل في إحراز الاثنين معاً: الديمقراطية والحكم المستبد الشمولي للحاكم الفرد. وما يجري الآن، أنه بسبب الخيبة الأولى، انفجر الناس غضباً طالبين الحرية، وبسبب الثانية، لم يكن هناك الحاكم الفرد القادر على أن يهمس آمراً بوقف إطلاق النار، فيتوقف إطلاق النار!
كأنني، في هذه السطور، على يقين بأن بشار الأسد، ليس هو الذي يأمر بتلحيم الناس. إن هذا هو الافتراض القوي، الذي يتأسس على خلفية الرئيس الشاب، باعتبار أن خياراته الأولى، لم تكن موصولة بالسلاح أصلاً، ولا هو في الأساس مغرم بأن يكون قاتلاً، يسير على خُطى والده، الذي عايش مناخات الضغينة ونزعات الإقصاء والطائفية، ومؤامرات الاغتيال والملاحقة، منذ انقلاب البعثيين في الثامن من آذار 1963. غير أن فشل بشار، في أن يمنح سورية حاكمها الشمولي المستبد، الذي يأمر فتطيعه كل البيادق؛ هو الذي سيجعله قاتلاً لا مستقبل له، وإن لم يُقتل سورياً واحداً بيديه، أو بجريرة تعليماته!
هذا النظام الفاشل، عجز حتى عن بناء دكتاتورية على أصولها، أي ذات رأس معلوم. فقد اقتسم المستبدون الصغار، الممسكون بمقاليد الأمور في القوات المسلحة والأمن، صلاحيات القرار، وأنشأوا فيما بينهم نوعاً من التوافق على الاتجاه العام. وفي الحقيقة، لولا حادثة مقتل أخيه باسل، في حادثة السيارة في عام 1994؛ لما دخل بشار على خط الحكم. لكن الأخير، استطاع خلال فترة قياسية، التحصل على نصيب كبير من فنون الحديث السياسي وعباراته ومداخله، مع إجادة لا بأس بها لحُسن الظهور، وفرد اليدين لتحية الجموع ورسم الابتسامة. وبالطبع، لم يجد الوقت ولا الإمكانية، لأن يدخل تعاريج ولوغاريتمات النظام الأمني المعقد، واكتفى من هذا المجال، بالاطمئنان الى سطوة اخيه وصهره وأقاربه، الذين هم أدرى بـ «شؤون دنياهم». لكن هؤلاء، يعطونه ويأخذون منه. له عندهم، مطلق الحماية، وعليه لهم، ترك الميدان لأم حديدان!
كان باسل هو المُهيأ للحكم وللتوافر على مقتضيات القوة والاقتدار المالي، وعلى المؤهلات التي يتطلبها الدور. هو المهندس الجدير بتوجيه العمل المدني، وهو في الوقت ذاته، ضابط الأركان والمظلي ونجم السباحة وركوب الخيل والمدرعات. افتتح قبل سواه، من أنجال الحاكمين، خط الضخ المالي، باسمه، الى بنوك أوروبا، وكان صاحب التجربة الأولى في امتلاك «الأبناء» للمليارات. فالمال شقيق السلطة وشاري الذمم في الخارج والداخل. بعد مقتله المفاجئ، كادت بضع عشرات من المليارات أن تضيع في بنك نمساوي، بسبب صعوبة حصر الإرث وتعقيدات تحويل الودائع الى اسم مستفيد آخر من عائلته. لكن شركة محاماة نمساوية، تلقت مبالغ كبيرة بعشرات الملايين، لتسهيل إعادة الودائع بالتحايل. وفي ذلك السياق، تم تزويج المتوفى بأثر رجعي أو بتاريخ أسبق، لتصبح زوجته صاحبة الحق الحصري ـ شكلاً ـ فيما راكمه الراحل من أموال!
بشار لم يدخل في عملية عضوية، تضعه في قلب السلطة التي تمثلها الأجهزة والألوية الأمنية. تُركت له رئاسة الدولة التي تهينها السلطة وتذلها وتجح صدقيتها وفاعليتها، ثم يُطل بشار مبتسماً أمام الجموع، لكي يغطي على آثام السلطة. وبالنتيجة، بات السوريون يرونه رمزاً للنظام، وهتفوا بعد أن استرخصت السلطة دمهم: الشعب يريد إسقاط النظام!
لو كان لي أن اصحح لهم الهتاف، لقلت إن الشعب يريد إسقاط السلطة، والشعب يريد استعادة الدولة. وعندئذٍ، لا يُضير الدولة أن تأخذ بأجمل الدساتير. السلطة هي التي لا تطيق القانون. ففي النظام السوري المشوّه، هناك دولة ميكروسكوبية، ينحشر فيها الطيبون من الكادرات المؤهلة للعمل المدني، ولا تملك من أمرها شيئاً. والسلطة، الآن، تُطلق الزعران والقناصة والقتلة ودبابات الألوية الأمنية، لكي يجهضوا مشروع إحياء الدولة ويسحقوا الجماهير!
كم هي معقدة وصعبة معركة السوريين مع نظام الحكم الذي لم يمنحهم دكتاتورية الفرد الرصينة المهيمنة، مثلما لم يمنحهم الديمقراطية. لو كان لهم أن ينالوا الأولى ثم أن يفجروا ثورتهم غضبهم؛ لكان الطريق أسهل. لكن المحنة ما تزال في بشار، الذي لا هو ديمقراطي، ولا هو دكتاتور أوحد، يهمس آمراً فيُطاع. إنه الإشكالية في هذا الخضم!

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع