ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
المصالحة الفلسطينية : برشلونة وريال مدريد
24/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: الدكتور/ عاطف أبو سيف

نحن مجتمع قبلي بامتياز، مجتمع ليس مبنياً فقط على التراتبية الاجتماعية وسلطة الأب المختلفة بأشكاله المختلفة ثقافياً واجتماعياً بل مجتمع يقدس قبيلته ويتمسك بها دون أي شيء آخر. وهذه القبيلة ليست مجرد القبيلة العائلية بالشكل التقليدي بل إنها تأخذ مثل سلطة الأب أشكالاً مختلفة وهي ذات طبقات متعددة ينظمها حبل سري واحد وأصيل يكمن في التمسك بها والدفاع عنها بشكل تعصبي. بذا فإن التعصب بحد ذاته يصير جزءاً من مكونات الإيمان بهذه القبيلة، ويقتضي الذود عنها وإعلاء شأنها حتى لو تعارضت مع معتقداتنا الذاتية ونوازعنا وفطرتنا. وليس من شك أن التطرف والتعصب بكل أشكاله حتى لو كان لذواتنا وأحلامنا الشخصية يقود إلى مجتمع متفكك مهلهل متخاصم مع ذاته، لا ينتج إلا صراعات تنشطر من بعضها البعض وتوليد المزيد من الصراعات.
قبل أيام حظيت بمشاهدة مباراة فريقي برشلونة وريال مدريد الاسبانيين في مكان عام مع مجموعة من الأصدقاء وهي مباراة من أربع مباريات سينعم مشجعو الفريقين بالاستمتاع بها خلال أقل من ثلاثة أسابيع في فرصة نادرة.
راعني مدى التعصب الكبير الذي طغى على اجواء المقهى حيث يكتظ مئات المشاهدين 'المتعصبين'. كركرة النرجلية التي تكاد تقفز عن الأرض من شدة السحب عليها، الصراخ مع كل كرة مهدورة أو جيدة، وربما السب على مشجعي الفريق الآخر والزعيق والصفير. كان فريق كل طرف هو قبليته التي يجب أن يستميت في الدفاع عنها. فالمتفرج لا بد أن يدافع عن لعبة فريقه حتى لو كانت خاطئة، وعن خطة مدرب الفريق حتى لو لم تأت أكلها وأثبتت فشلها. وقد يصل الامر إلى تبادل التهم مع مشجعي الفريق الآخر وربما التقليل من قيمتهم ومن مشاعرهم.
 رغم الأجواء الجميلة التي يفرح المرء أن يستطيع الناس في غزة رغم القهر ان يعيشوها والتي تقول بأن ثمة أشياء أخرى تستحق الحياة، إلا ان ثمة ديناميكية داخلية تحول كل شيء، حتى هذا الشيء الجميل، تحول إلى نمط سلوكي يعيد انتاج المواقف السياسية. وليس على المرء أن يتصور ماذا لو تبنى كل فصيل فريقاً من الفرق الهامة لدخلت المشاعر الكروية في الصراع السياسي وهي ليست بعيدة عنه.
وليس على المرء إلا استرجاع الممارسة السياسية الفلسطينية ليتعزز لديه هذا الشعور بأن ثمة ناظماً قابلاً في فهمنا للعلاقات الداخلية الفلسطينية وفي طريقة معالجتنا لملف المصالحة الذي أعيا وعينا وآلم مشاعرنا الوطنية حيث يصبح كل مقترح لإنهاء الانقسام مادة للانقسام ذاته. وكانت آخر تقليعات ذلك هو الخلاف على من قبل، الدجاجة ام البيضة: الانتخابات التشريعية ام انتخابات المجلس الوطني في جدل عقيم لا ينتج إلا المزيد من القبلية، فاجراء الانتخابات بأسرع وقت ممكن سيشكل دافعاً لانجاز باقي الملفات وبالتأكيد ملف الانتخابات للمجلس الوطني.
ألم يتحول الانقسام إلى قبيلة لا بد أن ندافع عنها ويجب أن نعمل على عدم تفككها.
أيضاً يتحول الحزب والتنظيم إلى قبيلة يجب الدفاع عنها بكل ما أوتينا من قوة وهو نفس الفهم الذي ندافع فيه عن معتقداتنا. وهذا ليس شكلاً من أشكال التطرف او التعصب بقدر كونه نسقاً من انساق تبني الأفكار والآراء بشكل عام، لكنه مع الوقت يصير تطرفاً قاتلاً. وبالطبع لا يعيب المرء أن يكون له موقف سياسي بل هو مطالب دائماً بأن يكون له هذا الموقف، كما لا يعيبه أن يعبر عن هذا الموقف من داخل أطر حركية او تنظيمية إذ إن ظهور الاحزاب السياسية شكل تطوراً هاماً في مرحلة تشكيل الدولة الوطنية وصعودها، رغم الاطروحات الحديثة التي تتحدث الآن عن تراجع دور الأحزاب بسبب عوامل كثيرة منها صعود الحركات الاجتماعية وتناقص الدور وما إلى ذلك. وبشكل عام فإن المواطن عادة ما يبحث عن بوتقة يعبر بها عن آرائه وتطلعاته وهو ليس ملوما إذا وجد في تنظيم ما الميكرفون الأقرب إلى قلبه. لكنه بالطبع سيكون ملوماً إذا تحول إلى مجرد ميكرفون للحزب وتحول إلى بوق واسطوانة تعيد انتاج ما يقوله الآخرون. وليس هذا بالعيب الكبير لو تم توظيفه ضمن النسق العام للمصلحة العامة والخير العام. لكن ما يحدث في حالتنا الفلسطينية أن التعصب الأعمى يجعل الموقف الحزبي هو جوهر النقاش الوطني بل يتم تغليبه على الموقف الوطني برمته، بل إن الأدهي من ذلك حين تتم الاستعانة بهذا الموقف الحزبي للتقليل من وطنية الآخرين وربما تخوينهم واتهامهم بالخروج عن المصلحة والمقاصد المشتركة.
وبهذا يتحول الحزب إلى القبيلة التي ننصرها ظالمة او مظلومة، القبيلة التي تشكل المظلة التي نحتمي تحتها لذا وجب علينا الدفاع عنها بكل ما أوتينا من قوة. الشيء اللصيق بذلك أن التنظيمات الأخرى تصبح قبائل متقاتلة معنا لأنه في صراع القبائل على الكلأ لا مكان للقبائل الأخرى لأنها تريد أن تحوز أكبر قدر منه. وعندها يصبح الوطن أنوات متقاتلة متضادة وقبائل متناحرة. أليس هذا ما يحدث عندنا. ولا بأس لو تدمر الوطن وتعطلت المصالحة وعلق المصير الوطني على شماعة من الأعذار الواهية طالما أن قبيلتنا بخبر ونحن ندافع عن شرفها.
 وربما بحق هناك قبيلة واحدة ووحيدة يجب على المرء أن يدافع عنها ولا عيب في ذلك، إنها فلسطين، قبيلة الفلسطينيين الأكبر، قبيلة ما احوجنا ان نتوحد في الدفاع عنها، في أن نرفع من قيمتها ونعمل على وحدتها ونغلب مصلحتها على مصالحنا. ويا ليتنا ندافع عنها بقدر دفاعنا عن فريقنا المفضل سواء كان البرشة او الريال أو عن تنظيمنا أو عن ابن عمنا حين يترشح للانتخابات حتى لو كان أجهل سكان الأرض. إنها القبيلة التي لا بأس بأن نكون قبليين حين ندافع عنها، ولكننا لا نفعل.
 
تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع