ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
مدارات - لقطة العلم الأميركي: المستبدون جلاّبون
22/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم: عدلي صادق

للوهلة الأولى، عندما شاهدت على شاشة التلفزة، علماً أميركياً كبيراً، يرفرف وسط رايات متظاهري الثورة الليبية في مدينة البيضا؛ أحسست أن اللقطة جارحة ومثيرة للعديد من الكوابيس والمفارقات السوداء. وفي المحاولة الأولى، لتسكين الألم الذي أوقعته في نفسي هكذا مفارقة، أي أن يرفرف علم الغزو الإمبريالي، في تظاهرة عربية ثورية؛ افترضت أن يكون رافع هذا العلم، مواطناً متعاطفاً مع مصور أو مراسل لوسيلة إعلام أميركية سقط في مصراتة، فيما كان يؤدي واجب التغطية. لكن واقع الأمر، أن الأميركيين ـ ولأسبابهم المعروفة ـ يساندون ثورة الليبيين الى هذا الحد أو ذاك. بالتالي فإن العلم الأميركي، إن لم يرفعه مواطن ليبي ممتن للموقف الأميركي، فإنه سيكون مرفوعاً على سارية بارجة تحاصر، أو مطبوعاً على هيكل طائرة تقصف، فيهمس أو يصرخ المؤمنون الليبيون والعرب، بالدعاء لقذائفها بالدقة والسداد وقوة التدمير. إن هذا هو الواقع الذي نشأ عن سلبية وموات العالم العربي، الذي لا يجرؤ على التدخل، ولا حتى على الذهاب الى القمة الاعتيادية في هذه الظروف، ولا على مجرد الاعتراف الرسمي بالمجلس الانتقالي الليبي، الذي يعني ضمناً، الاعتراف بأن إخوتنا الليبيين مضطرون للثورة، ومجبرون على قبول أية مساعدات بصرف النظر عن مصادرها!
* * *
في التنظير السهل المترف، يؤخذ حضور دول الاستعمار القديم، ومعها الولايات المتحدة، في صف طالبي التغيير، كدليل سطحي، على أن الثائرين على باطل، وأن الدكتاتور هو «سبع البُرمبة» ومزعج الإمبرياليين. ومن يدقق في خلفيات مواقف الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل؛ يدرك أن هؤلاء يرون في بعض المستبدين، نُذر انفجار اجتماعي وبيئي، لفرط جنونهم ومجافاتهم لأبسط مقتضيات الحكم المؤهل للحياة في العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين. ويعتقد الأميركيون وحلفاؤهم أن هذا الانفجار في حال حدوثه، سيشكل خطراً أكبر على مصالحهم. فالقذافي مثلاً، يمكن أن يخلع ملابسه للأميركي وأن يسترضيه وأن يلعق حذاءه. ومخبول من يظن أن سبب انحياز واشنطن ضده، هو معاندته لها على أي مستوى. فقد سلم لها القذافي، كل ما تجمّع لديه من أسرار، وأعطاها مخططات مشروعه النووي ووشى لمخابرات أميركا على كل من ساعدوه من العلماء، وأعطى الشركات الأميركية، أهم الامتيازات، في استخراج النفط والغاز، وتوسل البيت الأبيض، وتغنى في لون بشرة كونداليزا وأوباما. غير أن الأميركيين لم يكترثوا به وإن استفادوا منه. فقد اعتمدوا نتائج دراساتهم الاستشرافية، وعرفوا أن حكم القذافي، هو أحد أخطر عناصر انتاج الناقمين والمتطرفين واليائسين، وأن الرجل نفسه وأولاده، أدمنوا نمطاً استبدادياً مجنونا في بذخه واستهتاره بالكائنات البشرية، وأن هذا الطراز الجرثومي يشكل خطراً في إقليم جغرافي بالغ الأهمية، ومن الأفضل رشه بالمبيدات، وتكريس شكل من الحكم الديمقراطي، تعمل الولايات المتحدة على أن يكون ودوداً وممتنا لها لمساعدته على النهوض!
موضوع النظام السوري يختلف، وسيظل الأميركيون حذرين وغير مساندين لثورة الجماهير. في الوقت نفسه، لا بأس عندهم من إتاحة الفرصة للنظام، باتهام الثورة بالانحراف والعمالة. ولن يتغير موقفهم الى المساندة الفعلية، قبل الاطمئنان الى أن القوى المرشحة للحكم، ستكون أشد حرصاً على صمت الجبهات وعلى استقرار سورية ومحيطها وعلى كبح جماح القوى الراديكالية، مثلما فعل الحكم الأسدي منذ منتصف السبعينيات!
القذافي وأولاده، وضعهم مختلف. فهؤلاء يصعب إقناعهم بالذهاب مع المعارضين الى إطار من اللغة وتعريف المفردات، وليس الى إطار من الاتفاق. فلا نظام ولا صدقية ولا اعتراف بالآخر ولا منظومة للتفكير. إن لهؤلاء مكانا واحدا ما زال ينتظرهم، إن نجوا من حبل المشنقة، وهو مزبلة التاريخ، على أن يتلقى الليبيون المواساة بسبب السنوات التي أمضوها في هذا الضنك. فهذه الأنماط من المستبدين المتخلفين، هي جلابة للاستعمار، وإجرامها هو سبب التدخل الأجنبي اليوم. فلا يتفلسفن أحد ويقول إن هناك تدخلاً أجنبياً. فمن يكتوي بنار الاستبداد وإهدار الكرامة، لن يقتنع بأي كلام غير فكرة الخلاص كيفما كان وبأي ثمن. فالإمبريالية ومعها كل الأوبئة الخطيرة، كإنفلونزا الخنازيز والطيور والبقر وغيرها، ليست أسوأ من الحكم المستبد الذي يحتقر شعبه علناً، ويصفه بجموع جرذان، ويتوعده بالنيران والملاحقة زنقة زنقة وبيتاً بيتاً وفرداً فرداً!
أما بشار الاسد، فما زال لديه بعض الرصيد المتأتي عن أناقة في الحديث، إذا ما قورنت بنحويات علي عبد الله صالح ومفرداته، تجعله فلتة الزمان. وليعلم بشار أن الشعب يريد إسقاط السلطة وإحياء الدولة، وليس بالضرورة إسقاطه شخصياً إن انحاز للدولة. الشعب يريد دستوراً وجهازاً قضائياً، لا تهينهما ولا تعطلهما، سلطة الأمن الطائفية وفيالق الجيش الذي يقودها طائفيون، وأن يكون الدستور عصرياً، وأن يشتمل هذا الدستور على المواد التي فرضتها الثورة المصرية على الدستور، وأن تُشطب المادة التي تقرر سلفاً أن «البعث» قائد للدولة والمجتمع، وأن يكون الاختيار الحر، مكفولاً للسوريين. بغير ذلك الدستور والتحولات، لن ينجو بشار ولن تنفعه تنظيراته!
أما العلم الأميركي، الذي رفرف في البيضا، فإن الاستبداد هو المسؤول الأول والأخير عن رفعه، وليس المواطن الممتن لمن يغيثونه لكي يكسبوا وده ويحافظوا على مصالح، كان وفرها لهم أصلاً، المستبد الذي يتزلف حتى الآن، بلغة غبية، حين يحاول ضمن حشرجاته، تذكير الأميركيين بخطر «القاعدة» وبأن لديه قدرة على القيام بخدمات فعالة لملاحقتها!

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع