ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
التيارات الاسلامية بين التأصيل والتجديد
20/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : عادل عبد الرحمن

أحدثت الثورات العربية تحولات نوعية في مركبات وبنى المجتمعات العربية الفوقية والتحتية. ومازالت (الثورات) تعيد صياغة سلوكيات المجتمعات العربية بما يتوافق مع رؤى وبرامج قوى الثورة في الساحات المختلفة. ومن النتائج الملموسة للثورات فتح بوابة الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير والتنظيم والتظاهر. وبالتالي انحسار دور السلطة المركزية للنظام السياسي، حتى في البلدان التي لم يكتمل بدر الثورة في ربوعها، رغم استخدام اسلحة البطش وتزوير حقائق الثورة هنا او هناك، ووسمها بسمات ليست منها ولا فيها، كما حدث في سوريا وليبيا واليمن والبحرين.
مساحة الديمقراطية المتاحة امام مختلف الوان الطيف الفكري والعقائدي وبالتالي السياسي، اتاحت للجماعات والتيارات الاسلامية متعددة المرجعيات، بدءا من جماعة الاخوان المسلمين ووصولا الى الجماعات السلفية بتلاوينها ومستوياتها المتدرجة من الاعتدال الى التطرف الجهادي، اتاحت لها اغتنام الفرصة المتاحة من الحريات اولا للانخراط بالثورات مباشرة، بغض النظر عن وقت التحاقها. ثانيا الاعلان عن رؤاها وبرامجها. وثالثا اشتراكها (كما حصل في مصر) في العملية الديمقراطية من خلال التعامل الايجابي مع صندوق الاقتراع. ورابعا القبول الآني بالشراكة مع قوى الثورة من العلمانيين. خامسا محاولة طمأنة القوى الاخرى (مصر وتونس) بعدم الرغبة في ترشيح قيادات منها للرئاسة، وعدم النية للسيطرة على البرلمانات.
غير ان المتتبع لمجرى التطورات داخل هذه الجماعات، يلحظ وجود تباينات واختلافات بين اصحاب وجهات النظر المختلفة داخل كل جماعة. فضلا عن الاختلاف بين الجماعات ارتباطا بقراءة مرجعياتها للتطورات هنا او هناك.
ولكن بعض الجماعات السلفية الاكثر تشددا، انصار الاتجاه القاعدي، بقدر ما حاولوا الاستفادة من المساحة المتاحة امامهم من حرية التحرك، التي استغلوها، ومازالوا يستغلونها في تهريب الاسلحة، وتخزينها، واقامة مراكز تدريب وتجنيد لمجموعات جديدة، ورصد لمواقع واهداف لعمليات قد تنفجر في كل لحظة، كما حدث بالاردن الجمعة الماضية، حيث استخدم السلفيون الاسلحة البيضاء ضد رجال الامن، الذين اصيب منهم حوالي ثمانية وثمانين. بذات القدر ترفض هذه الجماعات استخلاص العبر والدروس التي عممتها الثورات العربية، وابرزها رفض الثورات الانجرار لاستخدام اي سلاح (الاستثناء الليبي وراؤه النظام لا الشعب) لاسقاط هذا النظام او ذاك، والتأكيد على الطابع السلمي للثورات.
وهذه الجماعات الاقصوية تجاه قوى المجتمع المختلفة، استفادت من نماذج بلطجيات وعصابات الانظمة في مصر وليبيا واليمن وسوريا، لان اساليب البلطجة والانتقام من الشعب تغذي نزعة التطرف، فضلا عن دور المرجعيات الفقهية، التي غرست الوعي التكفيري والتخويني تجاه القوى السياسية والجماعات الدينية بما في ذلك ابناء ذات الدين الواحد في اوساط اتباعها. فهؤلاء متشبثون بالاصول السلفية، وليس لديهم الاستعداد للتراجع عن معتقداتهم وتوجهاتهم التخريبية إلا بتوسيع مساحة الديمقراطية في اوساط الشعب، ونشر الوعي المجتمعي المديني في المناهج التربوية، وتعزيز روح التسامح، وتجذير مبدأ المساواة بين ابناء الشعب، وتعميق دور النظام والقانون، وخضوع الجميع لقواعده دون تمييز او إعتبار لموقع او سلطان.
مع ذلك يجانب المراقب الصواب، في حال قَّصر الامر على الجماعات السلفية الجهادية، انصار تنظيم القاعدة. لان التطورات في الساحة المصرية خصوصا والساحات العربية الاخرى، تشير الى ان جماعة الاخوان المسلمين، التي تتسم بالوسطية، تشهد حراكا داخليا ملفتا للنظر. البعض من المراقبين يعتبرونه، جزءا من استحقاقات التحولات التي احدثتها الثورات، مثل حدوث انشقاقات، وتشكيل احزاب، وبروز تيارات شبابية. ويفترض بعض المتخصصين في الجماعات السلفية أن هذه التحولات، هي نتاج طبيعي للديمقراطية المفتوحة، والقبول الايجابي من قبل جماعة الاخوان للتعامل مع المتغيرات والقوى المجتمعية المختلفة بروحية جديدة، بعيدة عن التخوين او التكفير. لكن البعض الآخر من المتخصصين، يرفض هذا التسرع في الاستنتاجات الايجابية تجاه جماعة الاخوان المسلمين. لاعتقاده ان التربية المتأصلة داخل الجماعة، ليس من السهولة بمكان تغييرها بين عشية وضحاها. وبالتالي القبول الآني من قبل الجماعة بالاخر، والادعاء بالقبول بالدولة المدنية، التي يرفضها الايديولوجست الاخواني فهمي هويدي، وعبر عن ذلك في اكثر من مقالة منها «سؤال الساعة: أتكون ديمقراطية حقيقية ام لا؟» و«السلفيون في اميركا» المنشورة على موقع «الكوفية قروب» وغيرها من المقالات، ما هي إلا لعبة تكتيكية لاختراق الساحة المصرية او التونسية، الهدف منها تضليل المواطن العربي. والاستفادة من هذا التنوع في تعزيز مواقع الجماعة في اوساط الشعب ومنابره التشريعية والتنفيذية، كمقدمة للانقضاض على السلطة في اللحظة المؤاتية عبر بوابتين: التشريعية والترهيب الانقلابي، كما حدث في قطاع غزة. لا سيما ان بعض المعلومات الوثيقة تفيد ان جماعة الاخوان بالتعاون مع حركة حماس في قطاع غزة، من جهة، وبالتعاون مع النظام السوداني الاخواني، من جهة اخرى، نقلت عشرات الاف قطع السلاح وكميات كبيرة من المتفجرات لسيناء وللمحافظات المصرية الاخرى بما فيها القاهرة، فضلا عن بناء بنك معلومات للاهداف المراد الانقضاض عليها في ظروف لاحقة، قد تكون بعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة في مصر في حال لم تحظ الجماعة بالمكانة المناسبة داخل مجلسي الشعب والشورى. وبالتالي الحديث عن التمرد والانشقاق وتشكيل احزاب، ليست اكثر من عملية تكتيكية لاستثمارها جيدا في خضم التطورات المتواصلة.
إذاً، الجماعة الاخوانية في الدول العربية عموما ومصر خصوصا، مازالت تراوح في مواقع السلفية المتشددة، والتوصيف لها بالوسطية، هو توصيف نسبي، نسبة الى الجماعات السلفية الجهادية، كتنظيم القاعدة. لكنها في الجوهر لا تختلف عن القاعدة بالنتائج النهائية، لأنها تصل الى ذات الهدف، وهو دولة الخلافة، ورفض الشراكة مع الآخر، وتقبل الديمقراطية لمرة واحدة فقط. والمقاربة بينها وبين تنظيم الاخوان في تركيا، انما هو تشبيه غير دقيق، لان الظروف التركية مختلفة اختلافا كبيرا عن المجتمعات العربية. والنتيجة التي يمكن ان يخلص لها المرء، ان حركة الاخوان المسلمين في الساحات العربية تتمسك بأصولها ومعتقداتها، والتغيير في الشعار، هو تغيير مؤقت وآني، وليس استراتيجيا، وقادم الايام سيميط اللثام عن رفض الاخوان المسلمين للتجديد. إلا اذا فرض عليها بالاساليب الديمقراطية، التي تفضح مثالبها ونواقصها وتبعد الشعب عنها وعن خياراتها السلفية المعادية للمصالح الوطنية والقومية.
المحصلة مازال من المبكر الوصول للاستنتاج المتفائل بإمكانية انتقال الجماعات الدينية المختلفة الى التجديد، باستثناء الجماعة السلفية المعتدلة، التي تقبل بالدولة المدنية. غير ان ذلك لا يعني تقزيم الديمقراطية او الحرية، بل العكس صحيح.  

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع