ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
الممكن هو الذي يتطلب شجاعة القرار
20/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : يحيى رباح

كأي فلسطيني, فإنني أتمنى أن تكون الذيول الأمنية لجريمة قتل المتضامن الإيطالي فيتوريو اريجوني قد انتهت بإلقاء القبض على من ألقي عليه القبض من الفاعلين , أو مقتل من قتل , و من ثم الإحاطة الحقيقية بكل جوانب الحادث و ملابساته حتى لا يتكرر ما حدث , مع العلم أن النار حين لا تجد ما تأكله فإنها تأكل نفسها !!!
جريمة قتل فيتوريو أريجوني , لا تتعلق فقط بخطورة الاتهام الباطل و باهظ الثمن بأن قطاع غزة بؤرة للإرهاب الدولي !!! و إنما تتعلق أيضا وبشكل ملح بكيمياء الحالة الفلسطينية , و نمط العلاقات الفلسطينية الداخلية الذي هو في أدنى مستوياته , و تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين و هم فوق أرضهم , سواء تحت الحضور المادي المباشر المكثف للاحتلال الإسرائيلي في الضفة , ومفرداته الملعونة مثل جنون الاستيطان , و مثل الاستهتار الشديد من قبل الإسرائيليين شعبا و حكومة و أحزابا بنا و بحقوقنا المشروعة غير القابلة للتصرف , و بتاريخنا و حاضرنا و مستقبلنا !!! بحيث أن الفرد الإسرائيلي , مستوطنا كان أم جنديا , و مهما كان انتماؤه الحزبي , و مهما كان عنوانه الديني , يتصرف و يده مفلوتة تماما ضدنا , لا حدود لما يريد , يتفوق على أعدائه القدامى المذكورين في التوراة أو في الأساطير الحديثة , في تعذيبه لنا , بقتلنا كيف شاء و متى شاء , تحت غطاء قوانين عنصرية متدنية كثيرا جدا حتى عن قوانين النازية !!! أو في قطاع غزة الذي انسحب منه الاحتلال الإسرائيلي بجيشه و مستوطنيه – و هما وجهان لعملة واحدة – و لكن موبقات الاحتلال بقيت على حالها , و الشيء الوحيد الذي لم يعد موجودا هو دفع الثمن !!! فهو احتلال قائم بالكامل بحصار خانق , بقتل على النوايا , بفرض أنماط حياة يومية إجبارية علينا , بزرع اليأس و الخوف و العذاب , فقط الذي لم يعد موجودا هو التكاليف العادية بحدها الأدنى التي يتكبدها أي احتلال مهما كان نوعه أو شكله.
تحت هذا السقف، ينحدر نمط العلاقات الداخلية الفلسطينية إلى الحضيض !!! هل هذا سر ؟؟؟ أنا أسأل كل فلسطيني في موقع المسؤولية أو خارجها , هل هذا سر و ما هو الانقسام إذا ؟؟؟
هل نمط العلاقات الفلسطينية الداخلية يرقى لمواجهة الحد الأدنى من هذا الوضع الشاذ الذي وضعنا أنفسنا فيه بالانقسام فارتاح الاحتلال ؟؟؟
أعتقد أن من ينكر هذه الحقيقة , فإنه يكفر بنفسه وآدميته قبل أن يكفر بشعبه أو بقضيته.
و عنصر التدني الخطير في نمط العلاقات الفلسطينية القائم حاليا هو انعدام المشتركات , الحرب الشعواء المتعمدة على هذه المشتركات , تدمير هذه المشتركات بنوع من الغل و العنجهية الفارغة , كمن يذبح نفسه بيده و يدعي أنه بطل.
الاختلاف ليس هو المشكلة، ويكفي للدلالة على ذلك , أننا نصفق لبعضنا إعجابا في الضفة و غزة حين نتوافق على التهدئة مع الاحتلال !!! بالله عليكم أين هي إذا قضايا الخلاف الوطنية الأكثر خطورة ؟؟؟ و نوجه رسائل إلى العالم كله مباشرة و عبر وسطاء إقليميين و دوليين و عرب , سياسيين و أمنيين , بأننا لدينا رغبة في الوفاء بالتزاماتنا و لدينا الكفاءة على ذلك فأين هي نقاط الخلاف الوطنية بكل هذا الغيظ و الحقد و التدمير الذاتي؟؟؟
حتى هذه الاختراقات التي تحصل بين وقت و آخر تحت عنوان الحركات السلفية مثل حادثة قتل جوليانو في جنين و حادثة قتل أريجوني في غزة , أو بعض الانشقاقات و التفلتات في الأذرع و المجموعات العسكرية , كيف تدير خلافاتها , كيف تعبر عن نفسها ؟ إنها لا تفتح حوارا مع أن الحوار سبيلنا الوحيد للبقاء , و إنما تذهب مباشرة إلى العدو لكي تستدعيه من خلال أعمال منفردة , و يصبح هو الخصم و الحكم في آن واحد، القاضي و الجلاد في نفس اللحظة , نحكمه في أعناقنا لكي نحرج بعضنا , و نسجل نقاطا يدفع شعبنا ثمنها دماء و دموعا.
و حتى في أصغر التفاصيل التافهة , فإن نمط العلاقات الداخلية يقوم على فرضية شاذة ملخصها :
أفشل وحدي و لا أنجح مع الآخريين !!!
في هذه البيئة, فإن أبسط خلاف لا ينتهي, وأقل بغضاء لا تزول, وأن أقل الناس كفاءة يصبح أكثر الناس ضررا, وأن الهدف الكبير الذي كنا قد أعلنا عنه بصخب كبير, ينسى ويشطب من الذاكرة الجمعية, ولا يبقى في القدر سوى الحجارة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
هناك شعوب غيرنا بليت بالاحتلال, وبالاحتلال الاستيطاني, الذي ادعى أن أرض هذه الشعوب هي جزء من أرضه المقدسة !!! وتلك الشعوب ناضلت وقاست وتحملت وانتصرت مع أنها من اثنيات عرقية وطائفية وأيديولوجية متباعدة جدا, فكيف نجحت في صياغة وعاء يتسع للجميع, يتم الاتفاق فيه على المشتركات الرئيسية؟؟؟ هل المسافة بين الرهبان البوذيين والشيوعيين في فيتنام أكثر قربا من المسافة بين فصائلنا الوطنية والإسلامية؟؟؟ هل المسافة بين العرب والبربر وبين الإسلاميين والشيوعيين في الثورة الجزائرية أكثر قربا من فصائلنا؟؟؟ وإذا، فإن موضوع الخلافات ليس هو المعيق, بل المعيق هو اضمحلال المسؤولية الوطنية, بحيث نصبح عاجزين تماما عن إيجاد ما نتفق عليه.
في قطاع غزة: الذي كان قد انتهى للتو من موجة عنف دموية, قتل فيها الإسرائيليون الكثيرين, وجرحوا الأكثر, وتراكم فيها دمار جديد, وقبل أن نتمكن من الاتفاق على قراءة ما حدث وتقييمه, ووضعه في نصابه الحقيقي, وقع هذا الاختراق الأمني الذي يرقى إلى الجريمة الكبرى وهو قتل فيتوريو أريغوني, لم يجر تفاوض, لم يحدث أخذ ورد, مع أننا كلنا فلسطينيا نتفاوض مع الاحتلال الإسرائيلي عدونا الأول على إنهاء صفقة شاليط, وهذه المفاوضات استغرقت سنوات وما زالت, وأدخلنا فيها وسطاء من كل جنس ولون, وخلال سنوات التفاوض نفذ الإسرائيليون ضدنا مجازر وحروبا دامية ولكن أحدا لم يقم بقتل شاليط أو حتى التفكير بقتله !!! بل ولم يتوقف التفاوض لا قبل المجازر ولا بعدها !!! لا قبل الاغتيالات التي تحدث في صفوفنا ولا بعدها, فلماذا يعدم فيتوريو بهذه السرعة الخاطفة وهو من قائمة الأصدقاء وليس من قائمة الأعداء ؟؟؟ ولماذا يقتل جوليانو بهذا القدر البشع من الخسة, وهو على قائمة الأصدقاء وليس الأعداء ؟؟؟ لمن الرسالة موجهة ؟؟؟ أين الهدف ؟؟؟ وأين شرعية الفعل سواء تحت عنوان جهادي أو تحت عنوان فقهي ؟؟؟
في هذه القضية, حدث استنكار شعبي واسع, لم اسمع أحدا من المختلفين مع حماس أو مع الحكومة المقالة في غزة يقول كلاما فيه نوع من الشماتة !!! بالعكس, الرأي العام الفلسطيني من جنين إلى رفح استنكر الجريمة, وطالب بالعقاب, واعتبر أن هذه الجريمة لا تحرج حماس أو حكومتها المقالة في غزة, بل هي تؤذي الشعب الفلسطيني وتشوه صورته.
ألا تصلح هذه الجريمة واحتشاد رأي عام فلسطيني واسع حولها لكي نفتح الأبواب المغلقة ؟؟؟ وأن تقتنع, جميع الأطراف, بأنه لا أحد في الساحة الفلسطينية قادر على قلع أشواكه بنفسه, فهذا مستحيل, ولا بد من الوعي الجمعي والإرادة الجمعية.
أتمنى أن تنكسر حالة الانغلاق والانكفاء على الذات التي أصبحت هي الإدمان المسيطر في ساحتنا, لأنه إذا بقي الوضع على حاله, فإنه حتى المصالح الذاتية الضيقة التي يعتقد البعض أنهم حققوها, ويتشبثون بها, وينكفئون حولها, ستضيع هي الأخرى مثلما تضيع قضيتنا الوطنية وسط هذا الاصطخاب الفارغ المريع.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع