ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
نشيد على الحاجز
20/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : ليانة بدر

قرأت في الصحف عن الثناء والمديح اللذين وُجِّها إلى ضابط إسرائيلي ضمن شركة أمنية مسؤولة عن الإشراف على الجنود القائمين على الجدار والحواجز في الضفة الغربية لأنه نظم أبياتاً شعرية تضم عشر نصائح تجعل من مطبقيها الجنود قمةً في النجاح والإنجاز، وهي أبيات تنتمي فعلاً إلى عهود معسكرات الاعتقال البائدة، فهي مليئة بعبارات تتوعد العابرين من الفلسطينيين، وهي تشيد بأحكام القبضة على أي مدني حتى لو كان مسناً أو طفلاً، أو كان له مظهر يشي بالبعد الشديد عمن يخافون منهم. التفتيش لكل شخص ولكل سيارة على طريقة السجون هو ما يناسب السلامة الدائمة. وعلى سبيل المثال، فقد وردت إحدى العبارات التي تقول “حاجز مزدحم بأناس كثيرين هو حاجز طبق عليه التفتيش الجيد”. وكلها نصائح تشجع التجبر والأذى من قبل المجندين، وتفسر سريالية الوضع الذي تشهده حواجز حيوية ومهمة مثل قلنديا وغيره.
وعلى كلٍّ، فقد صار لإسرائيل ثبت شعري لقلة الإحساس وتشجيع القمع المستديم عند أولئك المحتلين بحيث يخول لهم الاستغناء عن عقولهم واتباع خارطة طريق تعذيب السكان الأصليين التي تمثلها أبيات النظم المذكور.
لست معنية هنا بوصف استحالة التطوير الإنساني لقلوب غليظة لا تحمل من مشاريع لها سوى سرقة الأرض وتدمير البشر، وإنما ما يلفت النظر هو أن نمط الاضطهاد صار محفوظاً لديهم عن ظهر قلب، وبكلماتٍ لها ترنيم شعري بحيث يتلوها الواحد فيهم غيباً مثل آلة ميكانيكية، بالإضافة إلى أن الضابط الناظم نفسه نال ثناء وتقريط رؤسائه على “شَعْرَنة” طقوس القمع المطبقة على جمهور كبير من شعبنا، فيما الجنود سادرون في لهوهم داخل غرفهم الزجاجية خلال ساعات دوامهم، فهم يتناولون ساعةً الطعام أو البيتزا، وتارةً يرفعون أقدامهم فوق سطوح المكاتب التي تحيطهم لإظهار مدى العناء الذي يتكبدونه في الجلوس في غرف مكيفة ومريحة ومدى شقائهم بالغياب عن أمكنتهم المفضلة كي يواجهوا فلسطينيين عزّلاً مثلنا. وبينما يتحكم الواحد فيهم بكبسة زر يفضي إلى قضبان معدنية يمثل الإفلات منها أُمنية بطيئة لجمهور طويل عريض يصطف في أمكنة خانقة وضيقة، وسط زحام لا يرحم شيخاً أو طفلاً، ووسط القر أو الحر الذي يطيح بتوازن الأجسام التي تترنح من الوقوف الطويل، يجلس الجندي أو الجندية لكي يلقي بكل ما لديه من كراهية على مَن حكم عليهم القدر بالعبور على الحاجز. وفي الخارج، يتركون الناس تتعفن وسط الفوضى وازدحام الأجساد والغضب الملتصق بالحشد. وبين هذا وذاك يعاودون استظهار نظمهم ذي الأبيات العشرة.
لطالما تمنيتُ وأنا أقف على الحاجز عدة مرات أن ينطلق الناس في نشيد جماعي مثل “موطني” أو أي نشيد وطني آخر. ولطالما أملت أن يصعد الناس غضبهم واستياءهم وأن يصدحوا بأناشيد فلسطينية لكي يُسمعوا صوت غضبهم لمن يعاملونهم كأنهم لا يمتلكون صوتاً. كما أن هذا أفضل من الخناق بين المنتظرين، والتنافس على الدور، وفشة الخلق في الآخرين، فلطالما جرت ملاحم وخناقات بين المنتظرين اليائسين. كما أن النشيد يقدم مدى صوتياً يستهزئ بالقمع الاحتلالي، ويعمل على تقليص أصوات الجنود الصارخة عبر الميكروفونات العالية. سيكون النشيد فعلاً صغيراً، لكنه سوف يصب في نوعية النضال التي تقصر عمر الاحتلال كي يفهم أن نهايته مسألة زمن لا أكثر ولا أقل. ولن أردد في هذا المجال أبيات أبي القاسم الشابي عن “الشعب الذي يريد الحياة”، فهي أنعشت وكوّنت ثورة تونس الأخيرة ضد الطغيان السابق.
لكنني فعلاً أتمنى لو نزل الشعراء المبجلون لدينا وكتبوا شيئاً عن أوضاعنا وعما نقاسيه على الحواجز. أتمنى أن ينتبهوا إلينا أكثر، وأن تخفت أصوات الشعارات التي تصب دوماً في العموميات الإنشائية أو في الأمور المطلبية. أين نتاجهم مما نعيش؟ نريد إبداعاً جديداً، وليس دعوات مستمرة للجان والهيئات والمكاتب والبيروقراطيات. نريد أن نعرف أن رسالة محمود درويش في التعامل مع الأُمور الصغيرة في حياتنا لم تنتهِ برحيله. لا نريد نظماً رديئاً على طريقة الجنود القامعين وشركاتهم الأمنية المتخصصة في شؤون الاستعمار، ولا شعارات كبيرة خاصة بجماعة وحيدة. نريد شعراً يقدم حياتنا في تفاصيلها فعلاً حتى يمكننا أن نقرأه على حاجز. نريد أن يدخل الشعر حياتنا اليومية ومقاومتنا المستمرة. نريد!
لينظروا إلينا قليلاً، فنحن نستحق هذا.
 

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع