ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
علامات على الطريق - أبو طلعت يوصل رسالته
19/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم: يحيى رباح

مات اللواء أبو طلعت، محمد عواد، ابن قرية بيت طيما، التي يسميها صديقي العزيز الروائي توفيق أبو شومر «قرية الرمل» في ثلاثيته الرائعة «جنون الجذور»، مات هكذا دون صخب، دون مرض قاس، دون تراشق عالي الصوت مع أحد مع أننا فلسطينياً دخلنا منذ سنوات في زمن الضجيج، لعله قبل أن تفيض روحه إلى باريها كان في فناء البيت يقلم شجرة، أو يصلح صنبور مياه!!! مع أن مشواره الطويل كان صعباً من الدرجة الأولى، فقد فتح عينيه على واحدة من أكبر كوارث العصر وتراجيدياته المستمرة، وهي النكبة الفلسطينية، رأى مشاهدها بعيني طفل صغير، وانطبعت تفاصيلها الحادة على صفحة ذاكرته البكر، ووصل مع عائلته إلى سافية رملية تطل على البحر أصبح اسمها الرسمي بعد ذلك مخيم دير البلح.
و في سنوات التكوين الأولى للمخيم الذي لا يشبه شيئاً غيره، فهو ليس قرية ولا مدينة ولا مضارب خيام، إنه المخيم، تكوين عجيب متفرد في حزنه وانكفائه على ذكرياته وخوفه من اليوم القادم وسخريته من عدالة هذه الدنيا!!! المهم أن محمد عواد «أبو طلعت» كان واحداً من الناجين عندما غضب الإعصار البحري من مخيمنا وجرف عدداً من البيوت القريبة من الشاطئ!!! كما أنه نجا من احتمالات الموت الكثيرة التي كانت تمتلئ بها تقارير اللجان الدولية التي كانت تتابع حياة هؤلاء اللاجئين الفلسطينيين، والتي تركت المهمة فيما بعد لوكالة الغوث!!! كيف تكون طفلاً في مخيم فلسطيني وتنجو؟ إنها مسألة صعبة التفسير، ولكن مخيم دير البلح في ذلك الوقت كان هادئاً نسبياً، ولم تحدث فيه حوادث كثيرة، فبالإضافة إلى الإعصار، والهجانة السودانيين، وانتشار الأوبئة، كانت الحوادث الأخرى قليلة وتكاد تكون عادية، من بينها «السمبك زوج عزيزة الدنف» الذي كان هو نفسه يشبه سمكة كبيرة بنية اللون، نفذ تهديده الذي أطلقه ضد إحدى أسماك القرش التي جاءت وابتلعت في جوفها كل أسماك السردين الصغيرة التي جعلها تطيش فوق الماء من خلال قنبلته التي صنعها من كحل البارود وألقاها في الماء، وجاءت سمكة القرش الملعونة لتشفط كل الأسماك الصغيرة الطافية قبل أن يجمعها في شبكته الصغيرة، فأقسم وقتها أنه سيعاقب سمكة القرش التي لا تترك له ما يصطاده، وقد رآه أهل مخيمنا مذعورين وهو يجر وراءه سمكة القرش الكبيرة على رمال الشاطئ وهي لا تزال تتلوى وترتعش، لتتحول بعد ذلك إلى طعام شهي!!!.
ومن بين تلك الأحداث أيضاً، أن « أبو الهباش» خرج من البحر وهو يصرخ بأن «الدولفين» الذي كان يراه في بحر قرية الجورة رآه وتعرف عليه وسأله لماذا يعيش هنا في الغربة، فوق سافية الرمل البائسة؟ وقد أعد «أبو الهباش» عدته، وصنع زورقه الصغير بنفسه، وابتعد في البحر، ولم يعد، كل ما رآه الناس بعد ذلك، مزقة صغيرة من خشب الزورق الذي حطمته الأمواج العاتية.
ومن المؤكد أن محمد عواد «أبو طلعت» شرب ذلك الماء العذب من «عين القرعان» التي كانت تنبع من صخرة في وسط البحر!!! وربما يكون قد رأى كيف تولد الصخور من اصطخاب الموج والرمل، ويحتمل أيضاً أن يكون قد رأى خروج سلحفاة بحرية من قلب بيضتها المدفونة في الرمال تحت الشمس، وكيف شمشمت بأنفها الريح من كل اتجاه ثم عرفت على الفور أنها تنتمي لوطنها الأصلي وهو البحر فاندفعت إليه!!!
كل شيء في مخيمنا كان يطرح الأسئلة،
وكل واحد من جيلنا كان يبحث عن جواب،
وهكذا، عندما أعلنت فتح نداها الخارق، استجاب أبناء الجيل كل من منفاه القريب والبعيد، من جنون المخيمات، وأطراف الصحاري، وجامعات البلاد الراقية، والقرى المقسومة إلى نصفين حيث أخذ الصهاينة نصفها عنوة، كان نداء فتح شاملاً، رسالة شاملة، ناراً مقدسة عظيمة، كل يأتي ويأخذ منها قبساً أو يجد على النار الهدى.
وبما أن محمد عواد «أبو طلعت» كان واحداً من ذلك الجيل، وسمع النداء، وأضاء نداء فتح في وجدانه، فقد وجد نفسه فدائياً، آه يا زمن الفدائي، يتسرب من معابر ضيقة الحدود، يقيم قواعد سرعان ما تقصف ولكن لم يكن هناك وقت للبكاء بل كان وقت الانبثاق، ذهب مع الثورة إلى بلاد كثيرة، وطاف في فضائها الواسع، اعتقل، وجرح، ولوحق، صعد الجبل، وهبط إلى الوادي، قارن بين حصار الأعداء وحصار الأشقاء، امتلأ بالنشوة وشعر بالغصة، ولكن حين يكون الإنسان فارساً في قافلة، فإن قوانين القافلة، إيقاعها الجماعي، معاييرها الشاملة، دينامياتها المتجددة، تأخذه معها، وتحمله على كتفها، مثلما المد يزحف بالبحر ويتخطى الحواجز.
نداء فتح كان رسالة شاملة،
وكل واحد يجيء من النار بقبس أو يجد على النار هدى، وحينئذ، يجد الإنسان نفسه يحمل رسالة هو جزء منها وهي جزء منه، وكانت رسالة محمد عواد «أبو طلعت» أن فلسطين حية، موجودة، مشعة، ليست ضرباً من الوهم، ولا نوعاً من المستحيل، قريبة وبعيدة، صعبة وممكنة، ولكن المهم أنها مركز الحضور.
وها هو أبو طلعت «محمد عواد» يعود إلى نقطة البداية، إلى مخيم دير البلح، أوصل رسالته، ومضى، وهو يثق أنه رغم الصعوبات، فإن كل جيل فلسطيني له رسالته وعليه أن يصل بها إلى منتهاها، لا تخافوا من عربدة هذا العدو، فقد سبق أن أنكرنا ثم اضطر أن يعترف بنا!!! لا تخافوا من هذا الانقسام فرغم ما يدعيه صانعوه من أنه ورم خبيث ولكنه ليس سوى بدعة، وقشور تافهة وبثور فوق جلد سرعان ما تنشف وتزول كأنها لم تكن!!! لا يغركم هذا الإحباط، ولا تستمعوا إلى منشدي أغنية العجز، لقد أنشدوا الأغنية قبل انطلاق الثورة، وقبل انطلاق الانتفاضة، كذبوا وصدقت الأجيال، لأن إرادة الأجيال هي من إرادة الله، وإرادة الله لا تموت.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع