ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
مدارات - انتفاضة سورية: تغليظ الخارج وترقيق الداخل
19/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : عدلى صادق

من أطرف مفارقات الانتفاضة السورية، وهي ما يرُش على الموت سُكّراً، ويثير الشفقة على إخوتنا السوريين النازفين دماً في هذه الاثناء، من أجل حريتهم؛ أن اللحظة التي يُتهم فيها منتفضوهم، بالانتساب الى «خارج» أو الى «أجندة خارجية»؛ هي نفسها لحظة إحساس الثائرين الشجعان، بسلبية الخارج ونكرانه، والاستعاذة بالله منه. فالسوريون يرون كل «خارج» مرجعية وشفيعاً للنظام، في سياقات ثقيلة الظل، على النحو الذي نختصره في النقاط التالية:
? الخارج، الذي يمثله الاحتلال الإسرائيلي للجولان، ومعه العربدة الصهيونية في الجوار العربي؛ كان ولا يزال السبب في مصدر حيل النظام وأخاديعه، وهو الذي يبرر استمرار السلطة في تجويف الداخل، وهو الذي يغطي باحتلاله الغاشم، فعاليات القمع التي تشدد على جعل الداخل السوري، مقتصراً على مهمته الوحيدة الوهمية، وهي النضال والصمود والتصدي، بل وجعل مجتمع هذا البلد «قُطراً» عربياً عليه أن يصبر وان ينتظر، لريثما تنضم سائر الأقطار الشقيقة اليه، ثم تستعيد الأمة أمجادها وتحرر البلاد. ولهذا السبب كانت أشد الصحف الاميركية يمينية وتأييداً لإسرائيل (واشنطن بوست) هي الحريصة على اختراع وثيقة تقول إن المعارضة السورية تلقت دعماً اميركيا، وكان يهمها العنوان في هذه اللحظة، وإن كانت الحيثيات تتعلق بأنفار ساقطين وعملاء»CIA» . فالصهيونيون هم المعنيون بإحراق ورقة الانتفاضة السورية، وتشويهها، لكي لا يُحرز السوريون حريتهم!
? والخارج الذي تمثله القوى المناوئة للإمبريالية، يرى في حاكمي سورية الأقوياء، سندهم الاستراتيجي الذي يستوعب كل المتغيرات الجيوسياسية التي تتهددهم. فهؤلاء، أبدعوا في تسويق أنفسهم، كعينٍ تتحدى المخرز الإسرائيلي، لا سيما عندما أجادوا استثمار الهامش المتاح لهم، لذر الرماد في العيون، فظهروا كحلفاء مقاومة، وأصدقاء ملالي إيرانية وحمساوية. لذا فإن الخارج المنافق الكذوب، ينام على وسادة الاطمئنان بأن هؤلاء الحاكمين الذين يستقوون بتنظيراتهم الممانعة، هم عنصر الاستقرار الحقيقي في المنطقة العربية، على النحو الذي تريده إسرائيل. فسورية لا يؤمَن جانبها إن رحل حاكموها، وفي تقديراتهم، إن حماس في حال غيابهم، لن تكون مهذبة عسكرياً في شمال فلسطين، بخاصة وأن الفضاء السوري الحر، سيكون أوسع من فضاء غزة المقيّد، وحيث الأراضي الشاسعة، لن تضطرها الى حفر الأنفاق. ففي الداخل السوري الذي جوّفته السلطة، يكتفي الجميع بالدور النظري الذي ظاهره التحدي وفحواه الانبطاح مع الاحتفاظ بالحق في القيام واختيار موعده في الزمان والمكان المناسبيْن. وسيتعيّن جبراً على مواطني الداخل السوري، أن يأتوا على أنفسهم على افتراض أن هناك مواجهة، فيتنازلون أمد الدهر، عن التطلع الى ارتفاع معقول في دخل الفرد، وعن المساءلة حول ريع البترول، وعن التنمية والطبابة، وعن رفع مستوى التعليم، ولن يطلبوا الطمأنينة، ولا الأمان حيال سياط الجلاد الممانع، ولا الحقوق السياسية والدستورية، كل ذلك سيظل مطلوباً من الجُزيء الذي يسمونه مواطناً، من أجل أن تظل سورية، ممانعة وشوكة في حلق المستعمر!
? الخارج الذي تمثله النُخب العربية الحاكمة، يرى في الداخل السوري المجوّف، منطقة عسكرية يُمنع الاقتراب منها، مثلما يُمنع التصوير، ولدى هذه النُخب الهشة، المطعون في شرفها السياسي؛ حساسية مفرطة من الاتهام، لا سيما عندما يصدر عن حاكمين صامدين متصدين ممانعين. لذا فإن هذا الخارج جبان ومنافق، ولا يُعوّل عليه!
? أما الخارج الوحيد، الذي يُفترض أن الداخل السوري يمكن أن يُعوّل عليه، طلباً للعون، لكي يصبح داخلاً كأي داخل هانئ في العالم؛ فهو الخارج الجماهيري العربي، الذي ـ للأسف ـ ظل يتوزع على مجموعة دواخل جريحة، وإن لم تكن مجوفة كالداخل السوري، منها ما يلتمس لقمة الخبز، ومنها ما تملأه مشاعر الغيظ لتبديد ثروته بأيدي حكام فاسدين، ومنها ما ينشد الحرية مثل شقيقه الداخل السوري، ومنها دواخل عربية مترفة، راكمت غيظاً في النفوس، كلما رمت الى سورية، في كل موسم، بمصطافين من النمط الفاجر الكريه!
فمن أين، والحالة هذه، سيكون ثمة «خارج» نبيل، تراهن عليه الجماهير السورية البريئة؟! إن النظام الحاكم في دمشق، يتعمد تغليظ الخارج ويحرص في الوقت نفسه على ترقيق الداخل، فيجعله بلا ملامح، ويختزل سماته فلا يسمح لها بحرية اكتساب سمات أخرى غير مرخصة. إن المواطن في تعريفهم، هو شبيه النظام، والجُزيء الميكروسكوبي الذي تتشكل منه ملامح كائن ديناصوري، يُسمى الجماهير المناضلة. فمن هو ذا الذي يتقصى ملامح النملة ويتحرى مشاعرها؟ إنه كمن يعبىء الشمس في الزجاجات، أي «فاضي الشغل» وصاحب الموال. إن هذا الجزيء، الذي يمثله المواطن، يشبه الحاكم، بالأنف والسحنة والبلاغة، اللهم إلا الجزيء العاصي والموتور والمضروب، من السلفيين والمدسوسين والحريريين والاخونجيين، وسواهم من الأنفار!
نقول بالمختصر: حين يترعرع الداخل، ويمتلئ، ويطمئن الى صون إنسانية نفسه، سوف يكبر الخارج الخبيث في نظر السوريين ويستفزهم، فيُنهي الصبر عليه لخمسين سنة وقفاً لإطلاق النار. ففي حال الامتلاء، لن يكون ثمة موضع للدبابات في الأزقة أو في ساحات المدن، ولا موضع ولا موجب للراجمات والقناصة، ولا للقوة العسكرية المدربة. ستبدأ مع الامتلاء، رحلة إياب القطعات والآليات ومخططات النيران وقدراتها، الى الجبهة، وسينام الجنود في مواعيد راحتهم، ملء جفونهم، مطمئنين الى حال عوائلهم، وسيدافع الناس عن المدن القريبة بالأرواح والمُهج، لا بدوائر الانتشار العسكري المتداخلة والمتتابعة، المتحسبة لانفجار الجماهير أو لانقلابات اليائسين. وستكون القوة العسكرية، والعنفوان الشعبي، وصدقية الحكم، مكثفة كلها، على جبهة الجولان!

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع