ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
مدارات - أبو جهاد .. ويوم الأسير
18/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : عدلى صادق

ليست ذكرى الشهيد القائد الرمز خليل الوزير (أبو جهاد) مناسبة يجري إحياؤها في يوم ذكرى الرحيل، ثم تفارق الأذهان. فأبو جهاد، يسكن القلب وتترافق ذكراه ـ دون مبالغة ـ مع شريط الذكريات الشخصية، العزيزة والمحببة، بالنسبة لكل الذين عملوا تحت قيادة ذلك الفارس والراهب الثوري. كذلك فليس يوم الأسير، بالنسبة للأسرى السابقين، مناسبة يجري إحياؤها في يوم 17 نيسان من كل سنة، ثم تفارق هي الأخرى الأذهان. فالأسير ـ وإن غادر زنزانته ـ يظل السجن نفسه قابعاً في روحه. يحمله فوق كتفيه أينما ذهب، ويتأثر به في لغته المحكية، وفي صياغة خواطره، وفي طقوس حياته وفي بيئته المنزلية. وقد كنت ـ بلا مؤاخذة ـ أسيراً لتسع سنوات!
مناسبتان، إذن، مرتا دون أن أجد نفسي في وارد استحضار من لا يغيب، أو إيقاظ السجن الذي لا يغفو، طالما ظل الأسرى قابعين!
* * *
التعاطي الخارجي مع ايقونات المشاعر والمناسبات، هو غير التعاطي المغمس بالمعاناة الفعلية. ففي صفحات عدة، على شبكة الانترنت، قيل ما هو غير دقيق، عن تجربة السجن وموقعها في تاريخ النضال الوطني. ولعل بعض ما جاء في عدة صفحات على الشبكة، من شرح عن سبب اختيار يوم 17 نيسان من كل عام (وهذه نقطة تتعلق بعنوان الموضوع وليس بتفصيلاته) يكشف عن حاجتنا الى استكمال التعريفات المشروحة للعناوين ومضاهاة الرواية بسياقات التاريخ وحقائقه. ولا موجب في هذا الصدد، لانتقاد منتديات أو مدونات صغيرة وشخصية، تناولت أمر الحركة الأسيرة بعشوائية أو بشكل عاطفي. فأخونا الأسير الأول محمود بكر حجازي لم يفرج عنه في عملية تبادل بجندي إسرائيلي، في 17/4/1974 مثلما يشرح موقع تابع للمبادرة الوطنية الفلسطينية مثلاً، مستقياً المعلومة من الموسوعة الحرة «ويكيبيديا»، التي يحررها قراؤها. فلم يأت اختيار هذا اليوم، من تلك الخلفية. لأن أبو بكر حجازي أفرج عنه قبل وقوعي في الأسر بنحو ثلاثة أشهر، وتحديداً في 28/2/1971. وليس دقيقاً ما جاء في صفحة «مركز الأسرى للدراسات» أن المجلس الوطني الفلسطيني أعلن في دورته الثانية عشرة يوم 17/4 يوماً للأسير. فالدورة المذكورة، عُقدت في الأسبوع الأول من حزيران 1974 وكانت دورة الواقعية السياسية، ودورة إقرار الورقة ذات النقاط العشر والإعلان عن قبول فكرة إقامة السلطة الفلسطينية، على أي جزء يتم تحريره، ولم تتطرق تلك الدورة لموضوع الأسرى. لذا يهمني توخياً للدقة، التأكيد على راهنية قضية الأسرى، إذ لا ينتقص من أهمية هذه القضية، أنها لم تأخذ المنحى المؤسسي والرمزي إلا بعد قيام السلطة الوطنية، أي بعد أن أعيدت هيكلة الأهداف والأولويات، وأصبحت قضية إطلاق الأسرى، من بين أبرز مهام التسوية وعناوينها. ولا أرغب في هذا السياق، في أن أقدم الاستنتاج الذي توصلتُ اليه من خلال نظرة فاحصة على ارشيف الدورية الشهرية الحصيفة، المأسوف على غيابها «شؤون فلسطينية» التي صدرت عن مركز الأبحاث الفلسطيني، المأسوف عليه وعلى مكتبته وعلى ارشيفه. فالاستنتاج سيكون صادماً لكل من يظن أن قضية الأسرى تمأسست من قديم، أو انها حظيت باهتمام الباحثين والكتّاب والنشريات الفلسطينية، مثلما كان يحظى الكفاح المسلح. إنها قضية راهنة، وتعد الآن إحدى قضايا المجتمع الفلسطيني، وأحد ملفات قضايا الحل النهائي، ثم نقطة على السطر!
أما شهر نيسان (إبريل) ففيه يوم لأسير الحرب، لدى العديد من البلدان والشعوب. فالاميركيون يُحيون في الثامن من نيسان، ذكرى ما يعتبرونه جريمة حرب يابانية، في عام 1942 تخليداً لأرواح الجنود والضباط الأسرى، الذين لاقوا حتفهم بينما هم أسرى، وكان تعدادهم ما بين خمسة وعشرة آلاف جندي فلبيني، ومعهم نحو سبعة آلاف جندي اميركي، سقطوا بفعل البطش ـ حسب الرواية الاميركية ـ وسوء معاملة اليابانيين وبمفاعيل إجبارهم 72 ألف أسير حرب، على السير مشياً على الأقدام، لعشرات الكيلومترات، في ظروف قاسية وفي تضاريس صعبة!
* * *
بقيت ملاحظتان تتعلقان بمناسبتيْ ذكرى أمير الشهداء ويوم الأسير. الأولى، أنني في فجر يوم الأحد، أو بعد صلاة الفجر بتوقيت الهند، تابعت على شاشة قناة «هنيبعل» التونسية، حديثاً مطولاً مع مسؤول أمني تونسي مغترب، ولم أكن حضرت اللقاء من أوله، وكان الحوار يتعلق بجريمة اغتيال أبو جهاد وبنقاط أخرى تتقاطع مع العلاقة بين تونس وفلسطين. وفي الحقيقة، وبسبب ضعف المهنية وسوء الإخراج في حلقة الحوار التي حملت عنوان «لقاء خاص» لم أعرف هوية الضيف الذي كان على الشاشة. فكأن الاسم ذُكر في البداية، ثم استرسل الحديث دون التنويه مرة أخرى الى هوية الرجل، ودون كتابة اسمه على الشاشة، أو الإشارة اليه عند سؤال جديد. وظللت حتى طلوع الشمس، أضع مقاربات لأسماء أشخاص وأبحث عن صورهم عبر الانترنت، لكي أتعرف على اسم الرجل الذي أجريت معه المقابلة. فقد ذكر الرجل كلاماً خطيراً بالتصريح وبالتلميح، وكان واضحاً أن هناك عملاء من المسؤولين في نظام بن علي، شاركوا في جريمة اغتيال أبو جهاد، وقد أشار ضيف حلقة الحوار، في المقابلة، الى سلوك أمني شائن، لمسؤول فلسطيني في مرحلة الاستضافة. وما تزال محاولتي جارية للاتصال بقناة «هنيبعل» لمعرفة ضيف الحوار. وهذه نقطة، مع نقاط أخرى تنبثق عن التغيير في تونس، تفتح الباب من جديد، لاستيضاح كل جوانب جريمة اغتيال القائد الرمز خليل الوزير!
الملاحظة الثانية، إن قضية الأسرى البواسل، باتت مُختزلة في نقطتين، إحداهما كبيرة وبعيدة وخطابية حتى الآن، قوامها الإفراج عن أسرانا (وفي لغة النصوص الفصائلية: الإفراج العاجل) وهذه تتوقف على منجزات العملية السياسية، إن كُتب لها أن تدحرج الصخرة من على قبرها لتخرج وتمشي وتصل الى مبتغاها. كما يتوقف جزء من مسألة الإفراج، على عملية التبادل مع الجندي الذي أسره السلفيون الجهاديون، وحافظت عليه حماس بنجاح. أما النقطة الثانية فهي المتعلقة بمسائل بسيطة كالأكلاف النقدية لتلبية الحاجيات من مقاصف السجون.
بين النقطتين، هناك أمر غائب ينبغي الحث عليه في يوم الأسير الفلسطيني، وهو أن ترتفع الى مستوى القضايا السياسية، إشكالية الزيارات العائلية، وسفالات الاحتلال الذي يمنع ويتباطأ ويتذرع باعتبارات أمنية، لكي يحرم الأسير وأفراد عائلته من التلاقي. إن هذه قضية، سيكون للحديث فيها على المستوى السياسي، صوت يدق كالجرس القوي، فينخر الضمير الإنساني. ويتوجب أن تُثار قضية التواصل بين الأسير وأفراد عائلته دون استثناء، كلما كان للطرف الرسمي الفلسطيني، لقاءات مع الأوروبيين والاميركيين وغيرهم، ومع المؤسسات والمنابر الدولية. ولا بد من رفع هذه المسألة الى مصاف الموضوعات السياسية، حتى أثناء الانخراط في معارك سياسية ضد الاستيطان والتعنت.
في ذكرى الشهيد القائد المؤسس، خليل الوزير، نجدد عهد الوفاء للفارس الذي ما زال يسكن الروح. ولعل من أبدع ذكريات العمر، ما انعقد لي من شرف الاحتكاك شبه اليومي، مع الشهيد الرمز، في مقر عملياتنا في مدينة السلط، طوال عام 1969. لقد فتشت عن المكان، مؤخراً، فوجدته. كنت أتقصى روح أبو جهاد، مستعيناً بعلامة «الكنيسة» والدرجات الكثيرة فوقها ارتفاعاً، وأشجار التين التي تظلل المساحة المحيطة بالمبنى الصغير!
أما الأسرى بين القضبان، ومعهم أفراد أسرهم الطليقة، المُنجذبة طوعاً الى القضبان، فإنهم عناوين نُبل الفلسطينيين وصبرهم وإيثارهم. فكل عضو في الحركة الأسيرة، يمثل بالنسبة للأسرى السابقين، دور الجندي العامل في الميدان، بالنسبة للجندي المتقاعد من أمثالنا، الذي صرفته شؤون أخرى عن شرف المعركة.
ومع كل أم، في يوم الأسير، يخفق القلب خفقاته نفسها، التي كنت أحس بها، كلما شاهدت أمي المرحومة الحاجة «أم عدلي» وهي تتقدم الي بعد كل تجشُّم لعناء الوصول الى شباك الزيارة!

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع