ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
مدارات - الكلمة «التوجيهية» بعيداً عن جوهر الموضوع
17/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : عدلي صادق

تابعنا بدقة، كلمة الرئيس بشار الأسد التي قيل إنها «توجيهية». وقد أحسن صُنعاً من وصفها على هذا النحو، قاصداً ـ ربما ـ التأكيد على أن المسائل باتت في موضع التركيز، وأن الجوانب المسلكية والفنية (سواءٌ في الإدارة أو على مستوى التقنية وبراعة الأداء) لن تؤخذ منذ الآن في عُجالة، ولن تتُرك دونما رقيب، وسيكون رئيس الجمهورية ـ لا مؤسساتها ـ هو ذاته الذي سيدعم ويراقب ويحاسب. وكانت الكلمة إجمالاً، بمثابة درس لحكومة في دولة كأنها استكملت هياكلها الدستورية، وانتقلت من سفح السلطة الى قمتها، ولم يتبق سوى التشديد على ضرورات الكياسة والتعاطي مع الجمهور عبر وسائل الإعلام، وتنزيه المناقصات عن عوامل الشك، ودراسة المشروعات بوعي، والأخذ بناصية التواضع!
بورك بشار الأسد، لو كان ما ينقص السوريين، هو ما شدد عليه في كلمته «التوجيهيّة». غير أن الرئيس الشاب، لم يلامس ـ للأسف ـ جوهر المعضلة التي بدأ المجتمع السوري يُلح في طلب حلّها مهما كان الثمن، ولن ينام على مظالمها.
ولكي نلخص هذه المعضلة، مع تحاشي تكرار ما أسهبنا وأسهب غيرنا كثيرون، في شرحه، وهو واقع الانسداد الصارم، الذي تؤكد عليه المادة الثامنة من الدستور السوري، حين تُلزم السوريين بأن حزب البعث هو القائد للدولة والمجتمع؛ يمكننا اختزال الواقع الذي سيظل السوريون يتحينون الفرص للثورة عليه، في مجموعة من الفرضيات والملاحظات الواقعية: لنفترض أن مكروهاً ـ لا سمح الله ـ حدث لبشار الأسد، فهل هناك ما يؤشر الى وجود صدقية دستورية وبرلمانية، في الدولة، توفر احتمال 1% أن لا تبادر السلطة الفعلية، الى تنفيذ سيناريو عاجل، قوامه خطوة واحدة، وهي دعوة مجلس الشعب السوري، الى المصادقة على ترشيح ماهر حافظ الاسد رئيساً للجمهورية؟!
بالعكس ستكون الخطوة أسهل مما حدث لبشار حين وقعت خطوتان في نحو نصف الساعة، لأن ماهر الأسد، المولود في العام 1968 لن يحتاج الى تخفيض السن الدستورية للمنصب، كما أن زوجته بطلة الفروسية، السيدة منال جدعان، قوية الشكيمة، وقد ملأت قلب الشاب بمشاعر الأحقية والجدارة، وهي سُنية مثل عقيلة الرئيس بشار، لكنها من دير الزور المحبطة، في الشرق، أي على الطرف النقيض من الساحل.
معنى ذلك أن لا عواجيز ومفكري ومناضلي حزب البعث نفسه، ولا مفكري ومناضلي المجتمع، مؤهلين للترشح، وليست هناك آلية مصونة، لأن تترشح شخصية من حزب البعث، الذي يحمل أوزار احتكار القيادة للدولة والمجتمع!
الأمور، إذن، تتهاوى نزولاً الى أعمق مما هو عليه الحال حين نقول إن حزب البعث هو قائد الدولة والمجتمع. وبصراحة، يمكن لواحدنا أن يقبل بان يكون هذا الحزب، هو القائد، إن طُبقت أنظمته التي أرساها البعثيون المؤسسون. واللافت الذي يستحث الشعور بالألم على حال إخوتنا السوريين، أن تعبيراتهم طيبة ومتفائلة على مرارتها، وتطلباتهم التي يراها النظام غليظة أو فظيعة أو موحى بها من الخارج (أي أن أصحابها عملاء ومدسوسون) تنم عن بساطة ينبغها ان تجعل أجهزة الأمن السورية مترفقة بهم. فحين يقولون إنهم لا يريدون إبقاء المادة الثامنة التي تجعل البعث قائداً للدولة والمجتمع؛ يسلمون ضمناً بأن الحال في سورية هو أن البعث يحتكر قيادة الدولة والمجتمع، وهذا شيء هيّن لو كان صحيحاً، حتى وإن كان فيه إقصاء للآخرين. ففي الواقع، إن الأسرة، بمساعدة حاشيات متنفذيها ـ وليس الحزب ـ هي قائدة الدولة والمجتمع!
* * *
علامة اخرى على ابتعاد الكلمة «التوجيهية» عن جوهر الموضوع، هو أن هؤلاء الوزراء البسطاء، الذين خاطب الرئيس بشار شعبه من خلالهم، ليسوا في وارد الفساد، وليسوا هم المشكلة. بل تُفزعهم تجربة الزعبي المنتحر. إن الفساد يكمن في عصب السلطة التي ترتكس الدولة في سفحها. والكلام كثير عن عوائد البترول، وعن الخدمات والعلامات التجارية والاتجار في كل شىء والاستيلاء على الأراضي والمسارب العامة لاقتصاد البلاد واستباحة كل شىء، بعيداً عن فضاء مجلس الوزراء.
الرئيس بشار، في كلمته، زاد في شرح علاقة العوائق الإدارية بالرشوة، وطالب بالأتمتة، أي تعميم الحوسبة في كل تفصيلات الإدارة، وكأن المشكلة هي في «المئة ورقة» التي يتقاضاها موظف فقير يساعد في تعجيل الانتهاء من معاملة إدارية.
نحب سورية وشعبها الشقيق، ونتمنى لها الخير. وما نريد قوله، هو ان المسؤول الأول في سورية، عندما يتوخى الخير لشعبه ولنفسه؛ يحتاج الى جرأة من نوع آخر، فلا يدفن المعنى في العموميات، كأن تُرفع الطوارىء ضمن حزمة قوانين، وكأن تُختصر مطالب الناس في الخدمات، وكأن يتكثف إهدار الكرامة في تجاوزات شرطي أو موظف إداري. ففي سورية، شاء النظام أم أبى، معيار طائفي في الإدارة، وفيها سلطة تعتصر الدولة والمجتمع، فترمي الأولى في السفح وتقذف بالثاني الى القاع السحيق. وفي سورية، يتطلع الشعب الى دستور عصري ديمقراطي، يمنح العزة للمواطن ولصوته ولرأيه ولخياراته. ويمكن لبشار الأسد أن يصبح رمزاً، وأن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه، إن ساعد السوريين على تحقيق أمانيهم وضمان مستقبهم. فهو الموهوب في التنظير لتوافه الأشياء، فما بالنا إن بدأ التنظير في عظائمها. فالحق أحقُ أن يُتبع، ولا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم!

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع