ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
'الواطي'!
14/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : فاروق وادي

كنتُ قد وضعت الكلمة أعلاه لتكون عنواناً مؤقتاً للمقال، ريثما أنتهي من الكتابة حول رواية تحمل هذا العنوان، قرأتها مؤخراً. لكنني بعد أن أصغيت لخطاب 'الصدمة والترويع' الذي ألقاه المواطن المصري محمد حسني مبارك، وساعده أصدقاؤه التاريخيون في حمل أمانته إلى 'العربيّة'، 'فقد قرّرت' (طالما أن من حقّ كلّ مواطن أن يُقرِّر) أن أغيِّر مسار المقال المُزمع كتابته، وأخوض في عمليّة 'تفصيص' (وفق التعبير المصري الشّائع للدلالة على القراءة التفصيليّة الدقيقة) لنصّ الخطاب وأسلوبيّته الميلودراميّة، حيث تتماوج الكلمات وتتدفّق العواطف، ويبكي الرئيس المخلوع، مثل النساء، ملكاً مُضاعاً.. لم يُحافظ عليه مثل القذّافي!
لكنني سرعان ما فوجئت بأن كلّ ما يمكن أن يقال، حول الخطاب، قيل خلال ساعات من بثِّه. فثمّة ملايين المصريين كانوا قد تلقّفوه وأخضعوه للقراءة والتحليل.. ولتفصيص دقيق، لم تغب عنها الإشارة إلى النبرة الرئاسيّة فيه، وحفيف الأوراق التي قرأ منها، وعدد الكلمات.. الخ. عتاولة القانون قرأوه قانونياً وفنّدوه. السياسيون قرأوا البعد السياسي لما وراء الخطاب. خبراء نفسيون شرّحوه إكلينيكياً، ومنهم الدكتور أحمد عكاشة، الذي قدّم مداخلتين في ليلة واحدة، قرأ فيهما الأبعاد والدلالات السيكولوجيّة للخطاب. صحافيون قالوا رأيهم وكتبوا حول الخطاب. جمهوريّة 'الفيس بوك' جيّشت شعبها وأعلنت حربها على الخطاب. خفّة الظلّ المصريّة المعهودة لم توفِّر الخطاب، فأغرقته في النكات التي تهاطلت حوله، وهزّأته تهزيئاً. وقد تداعت إلى أذهان المصريين ذكرى خطاب مبارك مساء يوم 1/2. فالرئيس المخلوع ما زال يحمل حتى اللحظة أوهاماً سكيزوفريرينيّة عن رئاسة لا تفنى ولا تزول. في المرّة الأولى، كاد خطاب 'سيِّد العاطفي' (كما أُطلق عليه مصريّاً)، أن يُحدث شرخاً لدى المصريين بين مؤيِّد ومعارض، لكن الشّرخ كان طفيفاً وسطحياً، فكأنه لم يحدث، وإن مهّد في حينه لارتكاب مجزرة الأربعاء الأسود. أمّا هذا الخطاب، فسوف يمضي سريعاً ويتبدّد مثل زبد البحر.
بعد كلّ ذلك، أي شيء سيبقى لكاتب عربيّ مثلي أن يُضيف حول 'موقعة الخطاب' الأخير، وهو على يقين بأن كلماته لا تمتلك القدرة على بلوغ قارئها سوى بعد أيامٍ من كتابتها، يكون فيها ضرب من ضرب.. وهرب من هرب؟!
ولذلك فقد 'آثرت التخلي' (مستعيراً تعبير مبارك) عن موضوع الخطاب والعودة إلى قواعدي الأولى، موضوعي الأوّل، الذي وضعت له عنواناً مؤقتاً.. 'الواطي'!

***
يبدو أن كلمة 'الواطي' هي اشتقاق عاميّ من الفعل الثلاثي 'وطأ' أو 'وطيء'، وهو إشارة إلى المكان المنخفض، السّهل، الليِّن، المُذلّل، القابل للوطء، أو الدوس بالقدم. ولكي لا تأخذنا اللغة في دروبها وتعرجاتها وأغوارها السحيقة، نكتفي بالقول إن مفردة 'الواطي'، باتت تشير، اجتماعياً وأخلاقياً وثقافياً، إلى الشخص الوضيع، الدنيء، المنحط، عديم القيمة والأخلاق.. وما إلى ذلك من مترادفات.
ولأبادر مجدداً إلى التأكيد على نفي نسبة العنوان إلى نفسي. وإن شئنا الذهاب أكثر في الاعتراف بالجميل، أقول: إنه شرف لا أدّعيه!
فقد حدث أنني كنتُ وزوجتي نتجوّل في إحدى مكتبات الاسكندريّة التي تبيع كتباً حديثة الصدور نسبياً. وحدث أنني رأيتها تبتاع كتاباً دون إخضاع المسألة لحوار ديمقراطي يجري بيننا، عادة، في مثل هذا الأمر، لا لكون شراء كتاب أصبح يحتاج إلى ميزانيّة مدروسة، وحسب، بل إنه يحتاج، وهو الأهم، إلى حيِّز مكاني ضاقت به مساحة البيت بما رحُبت، حتّى بتنا نخشى أن يحدث معنا ما حدث مع 'السّاكن الجديد' في مسرحيّة يوجين يونيسكو، حيث يفيض البيت بأشيائه التي تملأ سلالم العمارة ومساحة الحارة وشوارع المدينة. وهو أمر بات يتهددنا بالتكرار، خاصّة لجهة اقتناء الكتب.
كان الكتاب الذي التقطته يحمل عنوان 'الواطي' (دار أكتب للنشر والتوزيع ـ القاهرة 2008)، ولكاتب لم أسمع به أو تسمع به زوجتي من قبل: محمد غزلان. لم أعترض، لا لأن زوجتي كانت قد نقدت البائع ثمن الكتاب وحسب، فقُضي الأمر دون حوار لم يعد من اللزوميات، ولكن أيضاً لأنني أتبنى رأياً لإيزابيل أليندي تعتقد فيه أن الأوغاد هم ألذ جزء في الحكايات. فما بالك عندما يرتقي مثل هذا الوغد إلى مستوى 'الواطي'.. الذي هو أعلى مراتب 'الوغدنة'؟!
مهما يكن، فإن 'ثورة 25 يناير' دهمتنا بعد أيّام من شراء الكتاب، ولم يكن من اللائق أن ننشغل بقراءة 'الواطي'، فيما نحن نشاهد عشرات الواطين وهم يتساقطون من أبراجهم، وشعباً يواصل معاركه مع رموز ما زالت تمضي، إلى الآن، على طريق السقوط. وكانت رواية 'الواطي' واحدة من أشياء كثيرة نسيناها في معمعة الثورة.
***
مؤخراً، تمكنتُ من اختلاس بعض الوقت لقراءة واطي محمّد غزلان. وكنتُ قد اقترحتها على نفسي لتقديم قراءة لها، هنا والآن، كونها من الروايات التي رصدت نموذجاً لشريحة طحلبيّة انتعشت في أجواء صاحبة الجلالة، وتحديداً الصحافة القوميّة المصريّة، من خلال التقاط شخصيّة رئيس مجلس إدارة/ رئيس تحرير إحدى تلك الصُّحُف، وهو الذي طالما أوغل في الفساد والنهب والإفساد، إلى أن أطيح به عن عرشه الإمبراطوري. لكن الفساد الذي عمّ كلّ شيء في عهد ما قبل الثورة، والأموال التي جمعها 'الواطي' في سنوات عزِّه ومُلكه المُضاع، أتاحت له أن يشيد مشروعه الصحافي الخاص، علّ الزّمن يعود القهقرى!
الحكاية تطول. وقد تتاح لنا فرصة العودة لوصل ما انقطع من حديث حول رواية محمد غزلان. لكنني ما زلت أطرح السؤال حول العلاقة بين خطاب المواطن محمد حسني مبارك، والأحلام المستحيلة.. برجوع 'الواطي' إلى صباه؟!

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع