ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
حواديت - العجوز
14/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : د. اسامة الفرا

عادة ما يشكل اللقاء الأول صورة تختزنها الذاكرة، لا يملك الوقت سوى أن يجري عليها بعض التعديلات الطفيفة التي تتناول التفاصيل دون الهيكل، ونادراً ما يتم تعديلها عن بكرة أبيها، هكذا هو حال الانطباع الذي خرجت بمعالمه من اللقاء الأول الذي جمعني بالأخ تيسير البرديني، يحمل من دماثة الخلق الشيء الكثير، ويسكن الوطن تفكيره محدثاً تفاعلاً متجانساً بين القول والفعل، ويغلف ذلك بمسحة دينية تفرض عليك احترامه، وأضاف اليها بصموده داخل أقبية التحقيق وغرف العزل مكونات ناصعة أضافت لجمالها الشيء الكثير، لم يكن له أن يتحلى بذلك سوى في بيئة أسرية لقنته أبجدياتها مع خطواته الأولى على أديم الأرض.
فلسفة نضال الأسرة يمكن لنا أن نختزلها في مشهد كان منزله في مخيم رفح مسرحاً لها، يومها كنا في ضيافته مع عدد قليل من الأصدقاء، لم يتوان يومها عن تحمل المسؤولية وهو يدرك أبعادها وخطورتها، فأن تكون مطارداً بشخصك لقوات الاحتلال شيء، وأن تتحمل قيادة الكل شيء آخر، وبينما كنا نتبادل أطراف الحديث حول سلبيات وايجابيات الظاهرة، اقتحمت خلوتنا والدة الأخ تيسير، يومها كانت على مشارف العقد السابع من عمرها المديد، ترتدي ثوبها الذي ينطق بالتاريخ، ممسكة بتلابيبه كي يتيح له القدرة على الهرولة، لم يمنعها عدم قدرتها على التقاط أنفاسها من القاء كلمة الجيش على مسامعنا، كلمة واحدة كانت كافية لتفرقنا من المكان، لم أبتعد يومها عن المكان سوى بخطوات قليلة حتى بدأت أرتال الآليات العسكرية في اقتحام المخيم وتطويق المكان، عدت أدراجي بعد أن أصبح الأخ تيسير ورفاقه في مكان أكثر أمناً، منذ ذلك اليوم أصبح المشهد لدي جزءاً من معاني الانتماء للوطن، وبطلته العجوز «أطال الله في عمرها» أعادت الزمان الذي نجهل الكثير من صفحاته المضيئة الينا، ودفعتنا لأن نرى جمال الوطن في تجاعيد وجهها.
جئت على هذه الحكاية مع توارد خبر وفاة والد الأخ تيسير، الوالد الذي لم تكتحل عيناه برؤية ابنه منذ سبع سنوات، فترة زمنية كافية لأن تتحجر الدمعة في مقلتيه، وأيضاً كافية لأن تفاقم الألم والمعاناة عند الابن الأسير، أدرك حجم الألم الذي يعتصر الانسان عندما يقف عاجزاً عن المشاركة في وداع أبيه، وكم هو مؤلم أيضاً استرجاع الذاكرة بعيداً عن مكانها وداخل زنزانة، سنوات طويلة مضت منذ اعتقالك في تشرين الاول عام 1993، عشت خلالها معاناة العزل وتنقلت فيها بين سجون الاحتلال، لم يضعف عزيمتك حكم المؤبد، ولم تتمكن السنوات الطويلة من كسر ارادة تحديك للسجن والسجان، وتراجعت عتمة السجن أمام اندفاعك لنور العلم، نحن على ثقة بأن من يمتلك هذه الارادة لهو قادر على امتصاص ألم رحيل الوالد، الذي نسأل له الرحمة ولك الصبر والسلوان، على أمل أن نلقاك قريباً بين أهلك ومحبيك حراً مكرماً.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع