ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
مدارات - الفلاح الفصيح والفرعون الطيب
12/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : عدلي صادق

في مصر، تجاوزت التطورات، محددات العلاقة التقليدية، بين الفلاح الفصيح والفرعون. الأول ـ لمن لا يعرفه ـ هو زارعٌ للأرض ـ حسب بردية قديمة ـ باغته اللصوص وسرقوا حماره. ولما ملأ قلبه الأسى، واستبد به الإحساس بالظلم، كتب الى الفرعون شكواه، فأعجب الأخير بفصاحة النص وبلاغته، وأحس بالرغبة في قراءة المزيد من الإنتاج الأدبي المتشكي الذي يكتبه الفلاح. لم يجد الفرعون سبيلاً إلى ذلك سوى التريث في إنصاف المظلوم، لكي يكتب مراراً وتكراراً، وهكذا تكرست الحكمة التي راكمها التاريخ: مكلومٌ يصبر على مظلمته ولا ييأس من تكرار الشكوى، وحاكم يتريث في الإجابة!
كان الفرعون، وظل بعده كل حاكم، في موقع الريادة. كل شيء يهون من أجل تماسك الدولة المركزية. وفي ثورة الشباب، كان لا بد من الحضور الرمزي للفرعون، بشراً كان أو مجموعة من رموز أية إيقونة مبجلة. ففي خضم الفوضى، كان الفلاح أيقن منذ سنوات طويلة، أن الفرعون لا يتذوق النص ولا يقرأه أصلاً، ولا يستحثه بالطبع. يسد الأفق في وجه الفلاح، ولا يرى إلا نفسه والحاضرين في حلقته الضيقة. نفد صبره كمظلوم، فاستعاد فصاحته، واستعار في عُجالة، فرعوناً يتذوق ما خطه قلم الفلاح الفصيح، ولا يتريث في إجابته، وكان دور الجيش!
* * *
بدافع غريزي، تمسك المصريون بوحدة بلادهم وبتماسك شعبهم من كل الأطياف. يغيّرون ملامح اللاعبين ولا يتخلون عن قواعد اللعبة. فالثورة ممكنة لكنها ليست بلا بوصلة. ولا تتساوق رعونة التسرع مع تاريخ طويل، ميّزته مهابة الدولة، صاحبة التدبير الأمثل لإنهاء الفوضى في الداخل ومواجهة الأعداء في الخارج. هو تاريخ طويل بين حث الخُطى العُثار. بين العز والوهَن. بين الفرعون الوطني، والحاكم الغريب المستبد، الفارسي والإغريقي والروماني. ثم بعد صدر الإسلام، جاء عباسيون وطولون وإخشيد وعثمانيون وكرد وفرنسيون وإنجليز، أكثرهم ظلموا الفلاح الفصيح الذي لم يجأر بشكوى، ولم يحرر خطاباً لحاكم منهم.
المصريون يتطلعون الى الحرية، والى تتويج نجاحات أحفاد الفلاح الفصيح، في ميادين العلم والإبداع، بتكريس العدالة وبتلاقح الحضارة مع السياسة، وبرد الظلم وكسر أطراف سدنته.
إن هذا هو ما يطمح اليه المصريون: الإبقاء على الدولة المركزية المتماسكة، التي هي صنو الحياة والنهر، مع تحاشي الرعونة، وتعزيز وحدة الشعب، وتطهير المناخ من روائح الفتن والفساد والاستبداد. فلا مستقبل للقوى النقيضة لما يطمح اليه المصريون. وسيكون أقصى ما يتوافقون عليه، حيال فلسطين، هو إنصاف الأشقاء في الجوار بالقدر الممكن، أو ما يزيد إن ساعدتهم الأوقات والأحوال. إنهم في صدد استرجاع ما أضاعته السياسات من مقدراتهم وعافيتهم، والظفر بما يليق بهم من نهوض في مستوى الحياة على ضفتي النهر الخالد، وليسوا في صدد ما أضاعته سياسات وخيانات وطرابيش وعمائم، من حجم حقوقنا الكاملة، في المساحة بين البحر والنهر المقدس في فلسطين. فإن بادر فلاحٌ فصيح، من بلادنا، بمخاطبة فرعونهم الطيب الجميل، وروى كل مظلمته، فإن المصري سيتريث طويلاً، حتى إن استعذب النص واستحث تكراره. على هذا الأساس نحسب حسبتنا الحكيمة، بدل الحسبة الغبية!

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع