ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
علامات على الطريق - في انتار الطلقة الأولى!
11/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم: يحيى رباح

بما أننا عدنا مجددا الى التهدئة بشروطها الغامضة والمائعة ومداراتها المذلة وغير المقنعة، وأفقها المسدود، وعناصر فشلها الحتمي، لأنه لا أحد في التاريخ الانساني يوافق هكذا على تهدئة مع عدوه الوجودي الممثل بهذا الاحتلال الاسرائيلي، وهو احتلال استيطاني احلالي شاذ قائم على خرافة ادعاء الحق في الأرض والذاكرة ومن ثم تحويل هذا الادعاء الخرافي الباطل الى حقائق يومية يفرضها على الأرض بقوة الحديد والنار!!! لا أحد يوافق على تهدئة من هذا النوع الا اذا كانت بوابة لأفق جديد، لسلام مقبل مثلا، لاسترجاع الحقوق، لمفاوضات جادة، الخ الخ، أما الأطر الموقعة أو القابلة أو المنساقة أو المبررة أو المشرعنة لهذه التهدئة بسقوفها الحالية التي سرعان ما تنهار، فانها لا تكون وافقت فعلا وعن جدارة واقتناع الا اذا كانت نفضت يدها من قضيتها تماما، ودخلت بالكامل في واقع الانقسام ومزاريبه ومنعرجاته وأمره الواقع وتداعياته المتجددة.
و أنا من الذين يعتقدون بيقين كامل أن هذا لن يحدث أبدا رغم كل الأصوات العالية المطالبة بالتهدئة، وبالتالي فانه في مواجهة هذا الواقع الشاذ، واقع الاحتلال الذي يغلق الطريق في وجوهنا بالمطلق، وأمام هذا الانقسام الذي أصبح واضحا انه أخطر الثمار المرة للاحتلال وأبشع تداعياته وأخطر حالاته وتجلياته، فان الجدل والفوران في القلوب والعقول والغرف المغلقة والساحات المفتوحة سوف يبقى ويتجدد ويستمر، بهدف ابتداع الطرق الجديدة، والانبثاقات الواسعة الشاملة، للخلاص من وجهي العملة الرديئة، وجه الانقسام ووجه الاحتلال.
وعندما انطلقت بدايات الحراك الشبابي في 15 آذار الماضي في فلسطين وفي ساحة الجندي المجهول ثم ساحة الكتيبة في مدينة غزة، وفي ساحة المنارة في رام الله، تحت عنوان واحد موحد (الشعب يريد انهاء الانقسام) فان الخائف الأكبر كان هو الاحتلال الاسرائيلي لمعرفته الأكيدة بأنه اذا استطاعت أجيال الشباب الحالية بصفتها الطليعة لشعبها، أن تواصل هذا الحراك بعمل ناجح متكامل، فإن القاعدة الذهبية المقدسة ستتحقق بأن كل حراك فعال ضد الانقسام سيتحول موضوعيا وحتميا الى فعل شامل ضد الاحتلال.
وكانت سلطات الاحتلال تتحسب بقوة، وقوى الانقسام تتحسب بقوة، فماذا تفعل قوى الانقسام أو قوى الاحتلال مع حراك شبابي يدوم ويتصاعد بمئات الآلاف.
ولكن الفعل لم يتحقق بصورته الناجحة ولا بصورته الكاملة، رغم ما أحدثه من هزة في بحيرة العجز الراكدة، فلماذا لم يكن الحراك في المرحلة السابقة بمستوى التوقعات، مع انه ما يزال يحمل بصمات السؤال الأول.
لقد كان من المفترض أن يستفيد الشباب الفلسطيني أكثر من غيره من فكرة الحراك الجماعي المزدحم بعشرات ومئات الآلاف، لأن الحوافز الضاغطة هي أقوى من الحوافز في تونس أو القاهرة أو غيرها من الدول العربية، فلماذا حوصرت الظاهرة؟! ولماذا تقلص حضورها، ولماذا تراجع اندفاعها كأنها موجة انفردت فوق الرمال؟! مع أن الحراك في جوهره وحوافزه لم ينته ولن ينتهي، لأن النار السرية ما زالت موجودة تحت الرمال.
الأسئلة صعبة، الأسئلة محيرة كما ترون، ولكن ربما يكون السبب أن الاحتلال الاسرائيلي تحسب أكثر، والقوى المستفيدة من الانقسام بمنظوره الاسرائيلي تحسبت أكثر فكانت المجابهة بالعنف، وللحقيقة نقول ان العنف كان محدودا جدا اذا ما قورن بما رأيناه في تونس أو مصر، وعنف لا يكاد يذكر اذا ما قورن بما يجري في ليبيا وسوريا.
كلنا نعلم أن الأجيال الفلسطينية السابقة، اذا اعتبرنا جيل النكبة هو الجيل الأول، وجيل الانتفاضة هو الجيل الثاني، فان هذين الجيلين واجها الاستحقاق بواقع غير مسبوق، الجيل الأول أطلق ثورة الكفاح المسلح في شروط قاسية الى حد الاستحالة، كما أن الجيل الثاني أطلق عبقرية الانتفاضة، وعلينا أن نتذكر أن كلا من الجيل الاول والثاني هياكل حركة وطنية أقوى من الهياكل الموجودة حاليا، وكان يواجه عوائق في المستوى الاقليمي لا تقل بأي حال عن عوائق اليوم، وكان الاحتلال الاسرائيلي حسم أمره على قاعدة انكار وجود الشعب الفلسطيني، قبيل الانتفاضة على سبيل المثال كانت روابط القرى وهي من انتاج الاحتلال، وكانت الادارة المدنية الاسرائيلية وهي يد الاحتلال الملفوفة بقفاز حريري، وكانت رغبات الاحتلال تدور حول اغراق الطاقة الفلسطينية في ميادين العمل داخل اسرائيل وغيرها، ولكن الأجيال الفلسطينية آنذاك واجهت الواقع من خلال الانتفاضة، ومعناها البسيط والواضح الاشتباك الجماعي مع الاحتلال وبنياته المتعددة، وأذرعه الكثيرة، اشتباك واسع مع الاحتلال مبرر من قبل الشعب ومتعاطف من قبل العالم ومرتبك من خلال نسيج الاحتلال الاسرائيلي نفسه، حتى أن الاحتلال لم يتمكن من امتصاص موجة الانتفاضة الشاملة الا حين جرفها الى مدارات أخرى استجابة لنصائح حلفاء اسرائيل الكبار الذين نصحوا بأن تترك الانتفاضة مثل العقرب التي تحمل صغارها على أكتافها لكي تلتهمهم بعد ذلك!!!
الجيل الفلسطيني الثالث، الحالي، بحاجة لأن يطلق طلقته الأولى، وطلقته الأولى هي الحراك الجماعي نفسه، الحدث نفسه، الحشد البشري الواسع نفسه تحت عنوان انهاء الانقسام، وليس تحت أي عنوان آخر، فهذا الفعل، هذا الحشد الهائل، هذا التطوير التلقائي للحدث وفتح الباب أمام التداعيات هو الطلقة الأولى الحقيقية، وليس الغرق في الجدل أو متاهات الادعاءات أو تضييع الوقت في طلب العون من الفصائل، ولا البحث عن برامج، في الحالة الفلسطينية الراهنة، فان فلسطين الغارقة في الانقسام الذي هو نطفة الاحتلال وثمرة الاحتلال بحاجة أولا وقبل كل شيء وأقدس من أي شيء الى رافعة من نوع جديد، الى قوة انقاذ من المأزق، الى خروج عبقري من بحيرة الوحل، ولا يوجد أحد يستطيع أن يمنحنا ذلك سوى هذا الحراك نفسه حين يتحقق فعليا على الأرض، وليس فقط أن نتحدث عنه ونعد به، بل نحدثه، وحين يحدث بحد ذاته ويخلق آلياته، ويتفاعل مع ردات الفعل الحتمية فان الانقاذ يكون بدأ بالفعل، والانقاذ من الانقسام هو اكتمال الأهلية للانقاذ من الاحتلال نفسه، الجيل الفلسطيني الثالث الحالي مطلوب منه أن ينجز هذه المهمة مستضيئا في أعماقه بأنه ليس أقل من الجيل الذي أطلق ثورة الكفاح المسلح ومن الجيل الذي أطلق انتفاضة الحجارة، وأي ثرثرة غير ذلك هي ثرثرة الضعفاء.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع