ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
المثقف والثورة: تجدُّد الأسئلة والدور
10/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : د خالد الحروب

الثورات العربية تفرض اليوم نقاشا جديدا لدور المثقف العربي في التغيير السياسي والاجتماعي والثقافي الفارض نفسه على المنطقة وشعوبها. وجوانب التجديد التي يطرحها نقاش 'المثقفون والثورة' بصورته قيد التشكل راهنا عديدة ومختلفة عن جوانب النقاش في حقب سابقة. في نقاشات ادوار المثقف العربي والتعريف به (الطاهر لبيب، برهان غليون، شكري غالي، جورج طرابيشي، نديم البيطار، عابد الجابري، عبد الإله بلقزيز، وعشرات آخرون) احتل المثقف العضوي الغرامشي وتنويعاته المختلفة قلب المشهد الجدلي. المقاربات العربية والعالمثالثية لهذا المثقف اندفع كثيرها من منطلقات ايديولوجية همها الاساس تغيير الوضع القائم، البائس داخليا في المجمل، والتابع خارجيا لقوى هيمنة إمبريالية في الغالب الأعم. نُظر إلى المثقف بكونه الطليعي حامل الشعلة التي تكشف المسار لـ 'الجماهير'، وبكونه الاعمق ثقافة ودراية بالمآلات الكبرى للمجتمعات والمصالح الأنانية لنخبها الحاكمة. المثقف هو قلب العملية التنويرية والتعريفية بالاختلالات البنيوية التي تحتاج إلى معرفته العميقة وذكائه ثم شجاعته لكشفها وفضحها وحشد الجماهير ضدها وضد المنتفعين بها.
المثقف العضوي منتم إلى مجتمعه وطبقته بلا تردد، ومدافع لا يهدأ عن مصالحها، واحيانا كثيرة يقوده ذلك الدفاع إلى العماء عن عيوبها وفشلها الداخلي، لكنه يبرر ذلك بتقديم التناقض الرئيسي على التناقضات الثانوية – تاركا العفن يأكل في عمق التكوين الإنساني والجماعي والفردي للمجتمعات. الثورات العربية قدمت نوعين آخرين من الفاعلين الثوريين: الشباب والإعلام الاجتماعي. كل من هؤلاء الفاعلين مندفع للتغيير وفضح الفساد وكشف ما يُراد له ان يظل بعيدا عن عيون الناس، لكن في ذات الوقت غير منخرط في مشروع ايديولوجي محدد القسمات. بهذا المعنى فقد دفعت الثورات العربية الناجحة وغير الناجحة، وفي ذرى فوراناتها، جدل السياسة والايديولوجيا إلى امدية صحية كبيرة، مقدمة تسيّس الشرائح الشبابية ووسائل إعلامها على ايديولوجيا المثقفين العضويين والشرائح الحزبية المؤدلجة والموغلة في الماضي، عمريا وعقليا. الشباب والإعلام الاجتماعي والفضائي (بحسب البلد المعني الذي تحدث فيه الثورة!). ولم نعد امام الصورة الكلاسيكية للمثقف الذي يظنه الناس ممتلكا للحقيقة حتى ولو كرر إعلاناته بخلاف ذلك، ولم يعد هذا المثقف المصدر الأساسي للمعرفة او المعلومة او منطلق التحريض والتعبئة. الشرائح الشبابية والإعلام المعولم احتلا هذه المكان باقتدار. كل ما صار يتمناه مثقف اليوم الغرامشي والعضوي ان تتاح له عدة دقائق على شاشات هذه الفضائية او تلك كي يخاطب 'الجماهير'.
الأمر الجديد الآخر الذي يجلبه النقاش المتجدد حول المثقفين والثورة هو تعريف المثقف. وهنا نحن نواجه اليوم ميوعة مذهلة في تعريف مفهوم المثقف سببها الإعلام الفضائي على وجه التحديد والذي انتج لنا المثقف الشعبوي (او المثقف المهرج). كان تعريف المثقف يواجه دوما صعوبات جمة ولم يكن من السهل 'هندسة' قائمة من المؤهلات أو الإنجازات يتأتى لحاملها الاتصاف بوصف مثقف أو حرمانه منه (هذا فضلا عن صعوبة الإجابة عن سؤال من يمنح من؟). لكن رغم تلك الصعوبات كان ثمة توافق او افتراض ضمني على اشتراط قدرة معرفية متميزة، ليس بالضرورة خارقة أو إبداعية، لكنها تؤهل صاحبها او صاحبتها للخوض في الشؤون العامة وتشخيصها والتجرؤ على اقتراح افكار لمواجهة المآزق. اليوم ارتبك هذا التوافق أو الافتراض الضمني مع بروز المثقف الشعبوي الذي يستند إلى رافعة الإعلام المتلفز بشكل اساسي. شروط المثقف الشعبوي ليست سهلة ايضا، لكنها لا تتضمن عمق المعرفة والثقافة الرصينة. ما تتطلبه هو درجات قصوى من الإثارة، في المظهر العام، في نبرة الصوت، في السبك اللغوي، في تكنيكات السجال والإفحام، في النزول إلى الحضيض إن لزم الأمر في حلبة النقاشات، في التنبه للمزاج الشعبوي السائد وركوبه وعدم تحديه، في توظيف مفاهيم المؤامرة، والضحية، والاستعمار وهكذا. هذا المثقف عضوي هو الآخر ولا يستطيع احد ان ينزع عنه 'عضويته' أو 'غرامشيته' فهو مدافع صلب عن الثورة وجماهيرها، لكنه ايضا مثقف 'غزية' الذي يغزو حيث تغزو القبيلة ويروح معها حيث تروح، لا ينتقدها ولا يرى فيها عيبا.
بيد أن المثقف العضوي بتنويعاته، الجادة او الشعبوية، المدافع عن قضايا الشعب ليس هو المثقف الوحيد الموجود في ساحة الثورة، اي ثورة. فهناك قائمة طويلة لأنواع آخرى من المثقفين وهم مثقفو السلطة والوضع القائم. هؤلاء يحتاجون ايضا إلى إعادة نظر في مواقعهم وتنظيراتهم في ضوء الثورات العربية الحديثة. مثقفو السلطة (وهم غير الأبواق الإعلامية والصحافية هشة الثقافة والعمق) وجدوا انفسهم في موقع صعب ايضا. فهم بحكم ثقافتهم ودرايتهم التاريخية والعميقة يدركون حتمية التغيرات الواقعة في المنطقة العربية، ويدركون الفرق الجوهري بين العلاج الحقيقي والمسكن المؤقت. والأهم من ذلك كله ان رزمة المسوغات التي كان جدلهم يقوم عليها لتسويغ الامر القائم والانحياز للدكتاتوريات قد استنفدت اغراضها. لم يعد بالإمكان، على سبيل المثال، التذرع بمسوغ الحاجة إلى الوقت من اجل إحداث التنمية الاقتصادية التي يجب ان تسبق اية تنمية سياسية او انطلاق نحو الحرية والديموقراطية. تبين لنا ان عقود التنمية التي انفقتها الشعوب صابرة على حكامها لم تكن سوى عقود من الفساد والزبائنية البغيضة. وتبين لنا ان عقود 'لا صوت يعلو فوق صوت المعركة' لم تكن سوى عقود من الحكم الفردي التدميري الذي أعاد هذا البلد او ذاك عقودا طويلة إلى الوراء. وتبين لنا ان عقود 'الخصوصية الثقافية' لم تكن سوى عقود الاختباء خلف تأبيد الاستبداد وفرض اشباه الثيوقراطيات على المجتمعات العربية بمسوغات ومبررات ثقافوية ودينية. وهكذا وصلت درجة التعفن الذي تراكم طوال تلك العقود تحت السطح تحت غطاء الاستقرار الظاهري الزائف إلى درجة الانفجار الوبائي التي لم يعد يصلح معها توظيف اي من تلك المسوغات او غيرها لتسويف التغيير والإصلاح السياسي.
من جهة الانظمة التي انهارت امام الثورات او تلك التي قيد الانهيار فإن ثمة جوانب سوريالية تميز رد فعلها تناظر تلك الخاصة بتبدل جوانب من تعريف المثقف وادواره. فهذه الانظمة حاربت المثقف التقليدي العضوي وقمعته وسجنته وطاردته وفي ظنها انه هو قائد الثورة. ولأن هذه الانظمة وعقلياتها ما زالت تنتمي إلى الماضي فإنها تخوض معارك الثورات ضدها بذهنية قديمة. لذلك ليس من الغريب ان يكون اول المستهدفين من قبل اجهزة القمع العربية المثقفون والصحافيون ومن هم على شاكلتهم. لكن هذا القمع المنطلق من عقلية قديمة علينا الاعتراف بأنه يحقق هدفا ربما لم يكن هو المقصود المباشر من قبل هذه الانظمة، وهو إخراس جدل الثورة وحرمانه من التعولم. صورة الثورة تتعولمه ومطالبها تتعولمه لكن جدلها والتنظير لها يغيب.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع