ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
حصوة ملح
08/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : وليد ابو بكر

كان على وزارة الثقافة أن تعلن منذ البداية أن جوائزها لأدب الأطفال في فلسطين، محجوزة بشكل حصريّ لمؤسسة واحدة لا غير، وأن على هذه المؤسسة وحدها أن تعرض كتبها، وبذلك لا تتعذّب الوزارة بالمتابعة، ولا تعذّب غيرها بالمشاركة، فليس من الضروريّ أن تقدم على عملية شكلية، لتتظاهر بأنها تقوم بفعل 'موضوعي'، لأن هذه العملية مكشوفة تماماً، ومن الواضح أنها كانت محسومة مسبقاً، لأسباب غير معلومة.
أو، كان على الوزارة، بعكس ذلك، أن 'تحطّ في عينها حصوة ملح'، كما يقول أحد الأمثال العربية، وألا تؤكد الشكوك المسبقة، حتى لا يبدو 'انكشاف' الأمر إلى هذا الحدّ، كما توقعناه تماماً، دون أن نخفي توقعنا، قبل أن يعلن عن توزيع الجوائز، لأنه ليس من المقبول، ولا من المعقول، أن يكون التنبؤ صائباً إلى الحدّ الذي كان، وهو ما فاجأ بعض من حضروا حفل التوزيع، (الذي دعت إليه المؤسسة ذاتها، قبل أن يعرف النتائج أحد، أكثر مما دعت إليه الوزارة، وربما كبديل لها، كما تفعل في العادة)، وبذلك شعر كثيرون (ونحن نشعر بكلّ مرارة)، بأن الأمر انتقل (ربما كالعادة أيضاً) من خدمة أدب الأطفال إلى أعمال العلاقات العامة، التي يتقنها في وطننا كثيرون، ويستجيب لها كثيرون.
قد لا يدري أحد (بعيد عن الإجراءات) أين كان الخلل، فما قامت به الوزارة لتحديد الفوز لم تكلّف نفسها بتوضيحه، مع أن على هذه الإجراءات أن تكون معلنة، (من باب الشفافية!)، كما في كلّ المسابقات. ولا يدري أحد هل ظلّ الأمر خاضعاً لمزاج العاملين في الوزارة، (مع كلّ الاحترام لقدراتهم الهائلة) أم كانت هناك لجنة تحكيم سرّية. وهنا لا بدّ من السؤال عمن تشكلت منهم، ولماذا ظلّت سرية، لأن لجان التحكيم في كلّ مسابقة من هذا النوع تعلن، أو تقوم هي بإعلان الجوائز. وإذا كانت هناك لجنة، فلا يدري أحد ما هي علاقة أعضائها بأدب الأطفال، كتابة أو نقداً، ولا ما هي روابط أعضائها (أو مصالحهم) مع هذه المؤسسة أو تلك، أو مع هذا الفائز أو ذاك، وما علاقة كلّ ذلك بوزارة الثقافة، التي يفترض فيها الحياد التام.
السؤال الذي يتوارد إلى الذهن، وسط تحوّل الجوائز إلى مثل هذا العرض 'الحصريّ' المثير للجدل سوف يكون: من الذي سيفكر، بعد الآن، بالمشاركة في أي نشاط من هذا النوع، تقوم به وزارة الثقافة، وهو يفقد الثقة في محصلة هذا النشاط؟ وهل ستقبل طبيعة أحد أن يقدم على ذلك، وهو يتوقع النتائج بشكل مسبق، (كما توقعنا مسبقاً وقلنا، دون أن نعرف الكتب المشاركة ولا كتابها أو رساميها). وهل هذه هي الطريقة التي ترى وزارة الثقافة أنها تخدم بها أدب الأطفال في فلسطين، أم هي طريقة مبتكرة، على الوزارة أن تقدّم بها براءة اختراع، كما تفعل في كثير من طقوسها المبتكرة، لتبعد الناس عما يخصّ نشاطها في هذا المجال، وربما في أية مجالات أخرى؟
نحن نعرف حجم 'الهمّ' الواقع على عاتق هذه الوزارة، التي أقيمت على خلل منذ تأسيسها، بمعظم من عملوا أو (يزكّون) للعمل فيها، من لا يصحّ أن يكون مثلها مكاناً لهم، وممن لا تربطهم صلة حقيقية بالثقافة ومعاييرها. لقد جاء كثير منهم لأسباب خاصة، فلم يكن غريباً أن ينطلقوا في العمل، وفي الاختيار، من الأسس التي جاءت بهم، والتي تقوم على ما تتطلبه العلاقات التي ترتدّ بفوائد، وهي أسس تخرج غالباً عما هو ثقافيّ أو موضوعي، لتدخل في الشخصيّ البحت، وفي موازين الربح والخسارة.
أعرف تماماً أن هناك من سيقول إنّ لديّ سبباً لمثل هذا الموقف، ولا أخفي قطّ وجود مثل هذا السبب، لأنني لا أخفي قناعتي بكتب قدّمت للمسابقة، لها قيمتها، ولم تحظ بالالتفات، لأن الحكم المسبق كان حاضراً، وفيه تجاوزات كثيرة، لا أحبّ أن أشير إليها الآن، حتى لا يحرج ذلك بعض من نعموا بالفوز، ممن نبارك لهم فوزهم رغم كلّ شيء.
وأشير إلى ذلك، وأنا أزعم أن لي خبرة طويلة في هذا المجال، أدرك من خلالها معنى الحديث في الأدب عموماً، وفي أدب الأطفال بعد ذلك، كما أن لي بعض المعرفة بما يجري بين السطور، قصداً أو جهلاً، مع وجود كثير مما يمكن أن يقال وأن يسمع، ليسمح بتصوّر شامل للطريقة التي تحدث بها الأمور في بلادنا، ولماذا تحدث كما تحدث.
أستطيع أن أقول: إن التأسيس لثقافة أصيلة، لا يمكنه أن يستند إلى الشائع أو المتاح وحسب، ولا أن يقنع بما هو متداول أو مبذول، ولا إلى إنجاز الأمور 'بمن حضر'، وإنما عليه أن يبحث عما هو قائم على أصول ثابتة وواعية للمعايير الثقافية، لا على الهياكل المتداعية التي لا تستطيع قط أن تقدم منجزاً ثقافياً بحجم مسؤولية البناء، في بلادنا.
 
وليد ابو بكر

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع