ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
حول مخاطر وأبعاد مقالة غولدستون
07/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : محسن أبو رمضان

رئس القاضي الجنوب إفريقيي ريتشارد غولدستون لجنة تقصي الحقائق الخاصة بالعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في نهاية عام 2008 ، وذلك بتكليف من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، حيث أبرزت عملية التكليف درجة عالية من النزاهة والمصداقية والموضوعية من قبل المجلس، خاصة أن غولدستون هو يهودي الديانة وتاريخه لا يشير إلى معاداة الصهيونية بل صداقتها وحرصه على إبراز إسرائيل بوجهة إنسانية غير بعيدة عن قيم الحضارة الغربية الخاصة بمفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وليس بطابعها الحقيقي المبنى على الاحتلال والاستيطان والعنصرية.
أنجزت اللجنة عملها الخاص بتقصي الحقائق وأشارت إلى احتمال ارتكاب إسرائيل لجرائم حرب عبر استهداف المواطنين والأعيان المدنيين، وكانت قد حددت إطارا زمنيا طالبت به كل من السلطة الفلسطينية وإسرائيل بإجراء تحقيق في الشكاوى والاتهامات الخاصة بانتهاكات حقوق الإنسان.
بعد انتهاء الفترة الزمنية المحددة وتقاعس إسرائيل عن القيام بعملية التحقيق المطلوبة تمت إحالة التقرير بضغط من منظمات حقوق الإنسان إلى هيئات ومرافق الأمم المتحدة لمتابعة التوصيات التي يجب ان تتحول إلى إجراءات وقرارات عبر مجلس الأمن، ومن ثم إلى محكمة الجنايات الدولية.
أثار التقرير حالة من التعاطف الشعبي والدولي ليس فقط مع ضحايا العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة بل ايضاً مع القضية الوطنية لشعبنا، وقد حفز النشطاء الدوليين ومنظمات المجتمع المدني المحلية والدولية على زيادة النشاط والفاعلية باتجاه العمل على نزع الشرعية عن اسرائيل وتكثيف حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات عليها، كما أعطى التقرير دفعة قوية لرفع قضايا تجاه قادة إسرائيل أمام المحاكم الدولية في العديد من الدول الأوروبية، وقد أدى ذلك لعدم تجرؤ ليفني وباراك وغيرهما على زيارة بريطانيا وفرنسا واسبانيا، بسبب القضايا المرفوعة ضدهما، بسبب تورطهما والعديد من القادة الإسرائيليين في أعمال العدوان الوحشية بحق أبناء القطاع، من أطفال ونساء وشيوخ، في تعدٍ صارخ على وثيقة جنيف الرابعة وبانتهاك فظ للقانون الدولي الإنساني والشرعة الدولية لحقوق الإنسان.
شكل كل من تقرير غولدستون إلى جانب الفتوى القانونية الصادرة عن محكمة لاهاي الدولية مرتكزين رئيسيين لنشاط العديد من القوى السياسية وفعاليات المجتمع المدني من العمل على زيادة الضغوط الدولية على إسرائيل وبهدف تصعيد حملة التضامن الشعبي مع قضيتنا الوطنية.
وتميز تقرير غولدستون ليس فقط بمضمونه الذي يشير إلى احتمالية ارتكاب إسرائيل لجرائم حرب بل بشكله أيضاً من حيث أن رئيس اللجنة 'غولدستون ' هو يهودي وبالتالي تم إخراج الاتهام الإسرائيلي المسبق والجاهز تجاه اية لجان محددة بأن أعضاءها ورئيسها معادون للسامية.
كان من الطبيعي قيام إسرائيل بحملة مسعورة ضد القاضي غولدستون ولجنته وتقريره وكثفت من حملتها تجاهه بسبب الأضرار الوخيمة التي لحقت بها على المستويات السياسية والأخلاقية والقانونية، حيث أصبح التقرير وثيقة في الأمم المتحدة وعنواناً لسلوك إسرائيل المنهجي الذي يعمل على التقويض المنظم للقانون الدولي الإنساني عبر ارتكابها لانتهاكات منظمة لحقوق الإنسان الفلسطيني والتي وصلت إلى جرائم حرب بل ربما ترتقي إلى جرائم ضد الإنسانية.
من الواضح أن المقالة التي نشرها مؤخراً غولدستون في جريدة ' واشنطن بوست ' الأميركية جاءت استجابة لحجم الضغوط الهائلة التي مورست عليه من قبل المجموعات الصهيونية المختلفة، حيث شكلت المقالة نكوصاً عن مواقفه السابقة عبر اتهام مجلس حقوق الإنسان بأنه يتميز بتاريخ منحاز ضد إسرائيل رغم ان هذا المجلس قام بتعيينه، واعتقد ان الاختيار لم يكن عشوائياً، وذلك من اجل تعزيز مصداقيته ونزاهته ورفع التهم المنسوب له بالانحياز للفلسطينيين بصورة مسبقة، كما ابرز غولدستون في مقالته بان إسرائيل قامت بالتحقيق في بعض الحالات واعترفت بالخطأ عبر استعراضه لمثال عائلة السموني، حيث تشير هذه المسألة الى أن إسرائيل دولة قانونية وديمقراطية وهي تعترف بأخطائها، علماً بأن هذا 'الخطأ' أدى إلى عملية تصفية وتطهير عرقي لعشرات الأفراد من العائلة دفعة واحدة، كما ألقى غولدستون باللائمة على المقاومة التي اتهمها بالقصور إزاء عمليات التحقيق المطلوبة، علماً بأن المقاومة كانت في مرمى النيران والاستهداف من قبل الطائرات والدبابات والبوارج البحرية الإسرائيلية واستخدم بحقها وبحق أبناء شعبنا أسلحة محرمة دولياً مثل الفسفور الأبيض وغيره، رغم ان القانون الدولي الذي من المفترض ان يستند إليه غولدستون يقر بحق المقاومة المشروعة في مواجهة الاحتلال.
إن تبرئة الجلاد واتهام الضحية لا يستقيم مع المعايير الحقوقية والأخلاقية الدولية، كما أن إشارة غولدستون بأنه لو قام بإعادة صياغة التقرير من جديد فإنه بالتأكيد سيعيد النظر بالعديد من القضايا التي تم إدراجها بالتقرير، يعكس تراجعه أمام حملة الضغوط الصهيونية المبرمجة بامتياز في مواجهته .
صحيح أن مقالة غولدستون غير ذات معنى على المستوى التوثيقي والقانوني، حيث أصبح الملف وثيقة من وثائق الأمم المتحدة ويجري التداول بشأنها وبهدف رفعها إلى مجلس الأمن، ولكن الصحيح كذلك يعكس مدى أهمية تنبيه منظمات المجتمع المدني بما يشمل منظمات حقوق الإنسان تجاه المعركة القائمة والتي هي ليست سهلة بل صعبة وضارية في مواجهة المجموعات الصهيونية ذات التأثير والفاعلية، كما يعكس أهمية صياغة خطة منهجية متواصلة تضمن استقطاب القوى الدولية المؤثرة لصالح قضايا شعبنا الحقوقية والقانونية والسياسية.
من الواضح أن إسرائيل تريد توظيف مقالة غولدستون سياسياً مرةً باعتبارها وثيقة تدين التقرير وهي ليست كذلك، حيث أصبح غولدستون شخصاً ليس له علاقة بالتقرير بعد اعتماد الأخير في الأمم المتحدة، وبالتالي فإن رؤيته تعبر عن موقف شخصي ليس إلا، ولا تؤثر على المضمون القانوني للتقرير، ومرة أخرى باتجاه تحررها من القيود التي كانت تكبلها جراء التقرير، حيث اعتبر نتنياهو ان التقرير شكل تهديداً استراتيجياً لإسرائيل، وبالتالي بدأت التصريحات الإسرائيلية تؤكد على تحررها من تبعات التقرير، وبأن يدها أصبحت طليقة بعدوان جديد على قطاع غزة .
إن التوظيف السياسي لمقالة غولدستون ينطوي على تدهور أخلاقي خطير في إسرائيل التي تسعى وبشكل محموم لارتكاب مزيد من الانتهاكات بحق شعبنا، كما تريد نزع أية وثائق تشكل أسلحة في يد منظمات المجتمع المدني بالعالم وقوى شعبنا المختلفة باتجاه محاصرة إسرائيل كدولة خارجة عن القانون الدولي.
إن مقالة غولدستون ستشجع بعض الدول على التراجع عن إدانة إسرائيل وانتهاكاتها المنظمة لحقوق شعبنا وليس أدل على ذلك من قيام بريطانيا مؤخراً بإصدار قانون يمنع بموجبه محاكمة قادة إسرائيل أمام المحاكم البريطانية في حالة تعكس ازدواجية بالمعايير وانحيازاً واضحاً للاحتلال في مواجهة شعبنا .
إننا بحاجة إلى تكامل العمل الحقوقي والسياسي وإن الوحدة بالرؤية السياسية أصبحت ضرورة ملحة ليس فقط لمواجهة ضغوط المجموعات الصهيونية وتأثيراتها بالعالم، وكذلك من اجل الاستفادة من التقارير الحقوقية ذات الطابع القانوني والأخلاقي لصالح القضية الوطنية لشعبنا.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع