ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
مدارات - طيف عاشق الأرض في يوم الأرض
06/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : عدلي صادق

في ليلة ذكرى يوم الأرض، كنت في الجو، مسافراً الى الشرق. أخذتني خواطر تلك اللحظة، الى التفكير فيما يصح كتابته، لو تسنى لي الكتابة في تلك البُرهة. وبين بدء النعاس ودواعي الصحو، تذكرت الحبيب الراحل عبد الله حوراني (أبو منيف) أبرز عاشقي الأرض الذين قابلتهم، من الفرسان في ميدان الكلمة والعمل السياسي، وأصفاهم رؤية وأعمقهم عاطفة، حين يتعلق الأمر بتضاريس الوطن وعلائمه وبحكايته الكاملة، إن كانت سردية انتهاب، أو تفصيلات حياة وأشجان. تبّدى لي أبو منيف، ينكش غليونه، متيحاً لمحدثه أن يطرح ما عنده. فكم كان الرجل، يحب الراغبين في الإحاطة بتعاريج القصة. تراه يستمتع بالتواصل مع الشاب اليافع، كما الشيخ الطاعن، إن تقمص الأول، بكفاءة، شخصية اللاجئ الذي يحفظ درسه وأوصاف بيته وقريته أو حارته، وإن نجح الطاعن في حفظ ذاكرته، باسمائها وحروفها وعبقها، من عوامل التعرية والتآكل وانتهاء الصلاحيّة.
«كل أيامنا، ذكريات للأرض». هكذا قال أبو منيف. وجرياً على العادة، رغبت في أن أعرض عليه فكرتي، فإما إن يشير باقتضاب، لكي نتحول الى قول آخر، أو إنه سيُصغي بأريحيته المعهودة، لأن الكلام جديد ومفيد. قلت له، إن أهم ما ينبغي أن يُستعاد، في هذه الذكرى، هو مقدمات يوم الأرض، وليس ذورته، أي قبل ثلاثين يوماً من لحظة الذروة ومن سقوط شهداء اليوم المجيد. فالوثيقة ـ الخطة التي بدأت سرية، ثم افتُضح أمرها، وهي المنسوبة الى من أعدها (يسرائيل كيننغ، محافظ اللواء الشمالي)؛ كانت تضع السيناريو الذي ما يزال جارياً في الجليل والمثلث، ثم انتقل الى الضفة نفسها. وثمة حيثيات سياسية، وتحديات، يتعين على الحركة الوطنية الفلسطينية أن تعيها. فالطبيعي والمألوف، في الوثيقة ـ الخطة، أن يُصار الى تكثيف الاستيطان، في فضاءات القرى الفلسطينية في الجليل والمثلث، على أن تُحرم كل قرية من أرضها الأميرية، وأن يُصار الى تضييق الخناق على السكان، وإحاطتهم ببيئات اجتماعية مغايرة، على مقربة من أبواب منازلهم، مع التضييق الاقتصادي والضرائبي على العائلات الفلسطينية. فالمحتلون يرون الكثافة السكانية الفلسطينية في الجليل والمثلث، خطراً على كيانهم، وهنا جوهر المشكلة.
يخفّض أبو منيف يُمناه الممسكة بالغليون، فيقول هامساً: لا تنسوا أن البند الثاني من تلك الخطة، في تلك الأيام، كان ينص على ضرورة تخليق حزب عربي شقيق لحزب العمل المهيمن آنذاك، على أن يركز هذا الحزب على «السلام والمساواة» كعنوان فضفاض لتغطية الخيانة. هم الآن، وبعد 35 عاماً فشلوا على صعيد أهلنا وراء الخط الأخضر، فكيف نجعل من أنفسنا هنا في الضفة، عقبة كأداء، تحول دون أن يكون الحزب عندنا؟!
أشعلت التسديدة البارعة، في المرمى، حماسة الحديث. في حضور ذلك الطيف، رأيت الرجل وسمعته، بين النعاس والصحو، يعاجلنا بالتأكيد على اطمئنانه الى الخطوط العامة للسياسة الفلسطينية. حاولت جرّه الى وجبة خفيفة من نميمته السياسية التي نحبها. هو، بطبعه، يتوخى الحصافة والكياسة في العمل الوطني. يكره رقاعة السياسة، يحب ويثق في صديقه الرئيس، ويتخوف من بعض المحيطين أو الممسكين بالملفات. كان يفتش للنصيحة عن مسرب وسط الزحام واللغط، ويعرف أن ثقافته وعاطفته لا تساعداه على أن ينزل، في السياسة، الى ملعب غير مُعشّب لا اخضرار فيه.
ما الذي أحضر طيف أبي منيف، الى حيث كُنت، على ارتفاع أربعين الف قدم؟ في ليلة ذكرى الأرض، تذكرت حكاية رجل غير مسبوق في تقاليد سفره وانتقاله. قليلون هم الذين عرفوا أن عبد الله الحوراني، دأب على تخليق دواعي الانتقال من غزة الى رام الله والعكس، حتى وإن كان عليلاً، لا تقوى صحته على السفر، ليس من أجل شيء في بعض الأحيان، أو ليس لشيء أهم في كل المرات؛ من مروره لمشاهدة المدرسة الابتدائية التي كان يتعلم فيها طفلاً حتى السنة الخامسة الابتدائية. فقد تصادف أن بقي بناء المدرسة كما هو في الأربعينيات، مع مصادفة أن الطريق الذي تسلكه العربات في طريقها شرقاً، يمر بمحاذاة المدرسة. في كل مرة، كانت عينا أبي منيف تدمع، كأنه يسافر لكي يستحث دمعة فيُحيي للأرض ذكرى خاصة!
في همسته «الخطيرة» التي حذرنا فيها من خطورة أن ينشأ حزب صديق للمحتلين بين ظهرانينا، في أراضي الـ 67، مثلما أراد يسرائيل كيننغ للمجتمع الفلسطيني في أراضي 48؛ كان الرجل يتحسس أموراً ورؤوساً ويسترق السمع لأصوات، في خلفيات الصورة، وفي أكناف حاضرنا العشوائي، ولا أريد أن أزيد!
لم يكن من طبائع الكيانات، ولا من تقاليد الشعوب الحية، ولا من سمات شعبنا، أن نتناسى، في أسبوع للثقافة، يُقام بعد وقت قصير من رحيل عبد الله الحوراني، رجلاً عمل رئيساً لدائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية واعطى الكثير. فاللاحقون في الكيانات المحترمة، يرفعون الصرح فوق ما بناه السابقون ويتذكرونهم. وتقاليد الشعب الحي، تُقدم الوفاء على سائر القيم النبيلة، ومن أروع سمات الفلسطينيين، التعلق بالذكرى، وحب الأرض وتكريم عاشقي الأرض!

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع