ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
جوليانو يحلم بالزنابق البيضاء
06/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : ليانا بدر

كانت المرة الأولى التي التقيت فيها المخرج والممثل جوليانو خميس عشية افتتاح مهرجان مسرح القصبة في رام الله. مَن الذي لم يعرف قبلها نجاح جوليانو خميس وإنجازه المدهش في فيلم 'أولاد آرنا'؟ من لم يدرك عمق وفعالية انضمامه إلى النضال الثقافي الفلسطيني، وإنجازات عمله الفريد رغم الصعوبات؟ من منا لا يعرف 'مسرح الحرية' وخطواته الحثيثة في خلق جيل من الأطفال والشبيبة المبدعين؟ هل هنالك من يقدر على إنكار فضل هذا المبدع في توجيه الأنظار إلى ضرورة بناء حالة ثقافية متطورة ومبدعة، خصوصاً في جنين وبعدما تعرض المخيم إلى الدمار والتهديم في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي عام 2003؟ حلم جوليانو الذي تخلى عن المجد والمال والمناصب في الجانب الآخر بأن يجعل من جنين الفلسطينية عاصمة ثقافية.
وفعلاً، عمل مع الفتيات والشبان على إنتاج مسرحيات وأفلام قصيرة ذات مستوى يعبر فيها اليانعون عن أنفسهم، وكان حلمه أن يتخرج الآلاف في ظرف سنوات قليلة لكي يمتلك الفتية الفلسطينيون أدوات التعبير عن حياتهم المعقدة الصعبة في سبيل غدٍ أجمل وحياة أكثر اطمئناناً. ولهذا، لم يكتفِ جوليانو بتقديم نفسه على أساس كفاءته المهنية الخالصة، بل كان أكثر من أبٍ وأخٍ وصديق للجميع في مواقف لا تعد ولا تحصى. لقد فهم جوليانو الحياة على أنها إبداع الجدارة الإنسانية في النظرة إلى تفاصيل حياتنا ودقائقها، وليست شعارات على أسطوانة مشروخة يبتكرها البعض لتكريس تفوقهم على الضعفاء باسم التنظيم السياسي أو المهني أو الفصائلي. إنحاز جوليانو لهؤلاء الذين لا صوت لهم، وجعل من حياته أداةً لرفعتهم وزيادة تمكينهم من الإنجاز، بل إنه انتقل ليسكن إلى جانبهم في جنين كي لا يكون بيته بعيداً عنهم.
كنتُ قبلها قد رأيت مقاطع على الإنترنت لمسرحية جديدة أخرجها لمسرح الحرية 'أَلِيسْ في بلاد العجائب'، ونالني العجب لمستوى الإخراج والأداء الرفيعين حتى استطعت أن ألتقيه ليلة افتتاح المهرجان وتقديم مسرحيته 'الكراسي'، كي أطلب منه نقل عرض مسرحية 'أَلِيسْ في بلاد العجائب' إلى مواقع متنوعة ليشاهدها عدد أكبر. هل يمكن تعميم إنتاج مسرحيات للشبيبة على هذا المستوى، وبتوقيع محلي؟ أسئلة كثيرة دارت في حديث مختصر مع وجود زملاء وزميلات مختصين في مجال المسرح. كان جوليانو يطمح إلى توسيع 'مسرح الحرية'، وإلى إيجاد تمويل بسيط لنقل المسرحية إلى منصات أخرى، وكان يرنو إلى دعم وزارة الثقافة للحصول على ترخيص لطابق جديد في المسرح. وفي تلك اللحظات سمعتُ منه كما سمع غيري كيف ناله التهديد والوعيد من على منابر سدنة الظلام الذين يتلفعون بثياب الرحمة كي يجعلوها واسطةً للتهديد والتخويف على كل من لا يمشي في ركابهم، هؤلاء الذين يستغلون التحريض وهم يقبعون في العتمة كامنين بالخسة والنذالة آملين التسيُّد على كل من يقع في دائرة الوجود حولهم. وكيف؟ ليس بالمقارعة الحرة والشريفة، وإنما بتوجيه رصاصات الغدر إلى جوليانو المبدع المنتج، والأب الذي كان يحمل بجانبه طفلاً عمره أقل من سنة. سمعت من الأصدقاء في حيفا أن المربية ارتابت بالملثم، وطالبت جوليانو بأن لا يتوقف للتحدث معه حينما ناداه وهو يستقل سيارته قرب مسرح الحرية. لكن جوليانو توقف لأنه لا يتعالى على أحد، ولأنه مشبع بنبالة الإنسان الشهم الذي يعتبر نفسه ابن الجميع وأخاهم المقرب، وعندها نالته رصاصات القتل المشبع خسّةً وجبناً. لقد اتبع جوليانو صدقه الإنساني الرهيف، ولم يترفع على من ناداه، لأنه كان يعرف تماماً من هو وما هي حجم تضحياته حين نبذ حياته الشخصية المترفة كي يعيش مع أصدقائه في جنين، ولأنه كان واثقاً مما كان يقدمه في كل لحظة للقضية ولثقافتنا الوطنية. لقد آمن بإمكانية خلق صورة حداثية لفلسطين تخاطب ضمير العالم عبر الفن والثقافة والتعبير الديمقراطي، لكن دعاة الاستبداد لا يريدون تقديم صورة الفلسطينيين إلا عبر صورة الإرهاب الأعمى والمجرم.
لم يقتل جوليانو المبدع سوى التحريض المستمر من هؤلاء الذين عاشوا طويلاً على عذابات الآخرين، والذين يحتارون كيف يمكن لهم تقويض الأمن والطمأنينة بأية طريقة كي يتسيّدوا على الضعفاء من حولهم. لهذا، وقف الشبان والفنانون والمسرحيون والمثقفون طويلاً على ميدان المنارة مطالبين بالكشف عن القتلة، ومعتبرين أن اغتيال المبدع بهذه الطريقة البشعة هو اغتيال لحرية التعبير في فلسطين. لقد انحاز جوليانو إلى جانبه الفلسطيني كي يكون مناضلاً من صلب أبٍ وأُمٍّ مناضلين ضد الاستعمار الصهيوني الاستيطاني. ولا بد أنه حلم طويلاً بالزنابق البيضاء التي سوف يتكشف عنها عمله على إبداعات الشباب المزهرة، لكنه لم يحلم بأن يكون هنالك من يغتال الأملَ الذي أنشأه مسرح الحرية الشبابي ويدَ صاحبه التي رعته بالخصب والنماء، وربما أنه لم يصدق أن يكون هنالك بيننا من يحيل الزنابق إلى رماد. وحقيقةً تلك هي معركة الثقافة الفلسطينية اليوم.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع