ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
خسارات صافية
06/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : د. عبد المجيد سويلم

تبدو أنظمة الاستبداد العربي، التي حكمت على شعوب هذه الأمة بالأشغال الشاقة المؤبدة هي الخاسر الوحيد جراء هذه الانتفاضات الشعبية العربية. ويبدو المشهد السياسي العربي في المدى المرئي ديمقراطياً بامتياز بالمقارنة مع عدة شهور خلت وبالمقارنة مع هذا المشهد في أيام التحولات الكبيرة التي نعيشها اليوم.
وعلى الرغم من أن الفكر السياسي العربي ما زال قاصراً عن تحديد ماهية هذه الانتفاضات من بعض الزوايا، وهو ـ أي الفكر السياسي العربي ـ مقصر من زوايا أخرى وعلى الرغم من فترة الشهور القليلة التي مرّت على هذه الانتفاضات فإن هذا الأمر لا يبرر على الإطلاق حالة التشكك التي تحوم حول هذه الانتفاضات وحالة التردد في فهم واستيعاب الآفاق المستقبلية التي ستترتب عليها، وذلك في ضوء غياب أو تغييب التحليل العلمي لطبيعة هذا الحراك الشعبي من حيث الأسباب ومن حيث السياق التاريخي والطبقات والفئات الاجتماعية التي تحمل هذا المشروع وتتحمل المسؤولية الرئيسية عنه.
ويعود سبب التقصير الأول وأسباب القصور الكثيرة إلى أن حركة الشارع العربي هي حركة جديدة وهي تتجاوز الأحزاب السياسية التي نشطت وما زالت تنشط خلال العقود الأخيرة. ويمكننا في شرح هذه الأطروحة أن نورد المحددات الرئيسية التالية:
الأحزاب السياسية العربية هي أصلاً في غالبيتها الساحقة أحزاب غير ديمقراطية في طريقة بنائها وفي طبيعة الفكر الذي يشكل لها الهادي السياسي باعتبار أن السياسة بمعنى معين ليست إلا التعبير عن أيديولوجيا معينة حتى لو ادعت أنها أحزاب (غير أيديولوجية).
معظم هذه الأحزاب هي بهذا المعنى أحزاب أصولية سواءً كانت دينية أو يسارية أو قومية ولها حظها (بدرجات متفاوتة نسبياً) من الفكر الشمولي وتتراوح شموليتها ما بين ديمقراطية شكلانية وبين أحزاب إقصائية وهي حالة الغالبية الساحقة من تنظيمات الإسلام السياسي وبعضها تكفيري وسافرٌ في تبني النهج الاستئصالي عند توفر الظروف.
معظم هذه الأحزاب يقيم الروابط الشعبية الخاصة ليس على أساس برامج سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية مطلبية وإنما على سياسات برجماتية تخدم هذه الأحزاب وليس الناس، ويتحول الناس بموجب هذه السياسات إلى رعايا حزبية وليس إلى جمهور فاعل ومشارك فعال في التراكم والتغيير.
كما أن مجمل هذه الأحزاب يعيش اغتراباً في زاوية القدرة على التنظير الملموس لمسار التغيير في الحياة الاجتماعية، وتفتقد معظم هذه الأحزاب السياسية لمراكز البحث والدراسات وهي في معظم الوقت تراهن على الاستقطابات الشعبوية السريعة والتي يحتاج تأطيرها إلى مادة تحريضية فقيرة المحتوى وعاطفية ووجدانية من حيث طبيعتها ومكانتها في مصفوفات الوعي الاجتماعي وهي عصبوية ضيقة الأفق من حيث قدرتها التفاعلية وما يمكن أن تحدثه من حالة جدل أو نقاش أو حوار مجتمعي جاد.
إن هذا ما يفسّر عزوف وانصراف حركة الشباب العربي في الشارع عن هذه الذهنية وعن هذا المنطق في التفكير وفي أساليب الممارسة السياسية. وبالعودة إلى الخسارات فإن أنظمة الاستبداد والاستعباد العربي هي آيلة للسقوط إما انهياراً أو إصلاحاً، وفي مطلق الأحوال فإن التغيير القادم سيطال قضايا الحريات وقضايا الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وسيطال الانتخابات ودرجات معينة من تداول السلطة ودرجات معينة أخرى من القيود على القمع والتحكم بالانتخابات ونتائجها ودرجات ربما تكون جادة وعالية في محاربة الفساد وملاحقة مافيات النهب المنظم للمال العام.
وفي مطلق الأحيان فإن ركوب موجات التغيير من قبل هذه الفئة الداخلية أو تلك هو مكسب للحركة الشعبية كما أن ركوب الغرب لهذه الموجات يمكن أن يتحول إلى خطر مؤقت بسبب واحد ووحيد وهو عجز الحركة الشعبية عن إدارة المعركة بصورة حكيمة بما فيها مسألة ميزان القوى بينها وبين النظام السياسي والوسائل الكفيلة بسد الهوة التي يمكنها أن تفصل بين قوة وبطش النظام من جهة وقدرة الحركة الشعبية على التصدي لها وشل أدواتها والعمل على تحييد ما يمكن تحييده من هذه الأدوات.
نعم تبدو أنظمة الاستبداد والاستعباد العربي وكأنها الخاسر الوحيد ولكن الحقيقة أن ميزان الخسارات الصافية سيطال حتماً وهو يطال منذ اليوم كافة قوى 'التحجّر الفكري' وسيطال معظم حركات 'الإسلام السياسي' التي تغوّلت في تحويل معارك الديمقراطية والحقوق الاجتماعية والثقافية والاقتصادية إلى مجرد سلوكيات إسلاموية، وحولت الحريات السياسية إلى شأن من شؤون الفقه العقائدي إن حركة 'الإخوان المسلمين' ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ تعاني اليوم ومنذ الآن أزمة هُويّة سياسية، فهي مجبرة على ما يبدو أن تتحول من شعار 'الإسلام هو الحل'، إلى شعارات جديدة من شأنها الذهاب باتجاه الدولة المدنية والقبول بشروط اللعبة السياسية والديمقراطية لأنها تدرك استحالة مواجهة المد الديمقراطي الذي تعبر عنه الحركات الشعبية الجديدة.
وتواجه حركة 'الإخوان المسلمين' أزمة تحالفات في المحيط الإقليمي كله وأغلب الظن أنها تمارس سياسة تهاودية في مصر وصراعية في سورية وانعزالية في الأردن كما تمارس سياسة سلبية في العراق. وستشهد هذه الحركة انشطارات متتالية لا محالة لأن الحقبة الديمقراطية الجديدة (ربيع العرب) لا يعطي لهذه الحركة المزيد من هوامش المناورة وهو يضيق الخناق على السياسة الذرائعية التي كانت هذه الحركة تلجأ إليها في الأزمات والملمّات السابقة. وتعتبر حركة 'حماس' في فلسطين واحدة من أسطع الأمثلة على هذا الإرباك الذي دخلته فصائل 'الإخوان المسلمين' في الواقع الجديد.
فهي إن أبقت على سيطرتها على قطاع غزة في ظل انكشاف خطر الانقسام وفي ظل تنامي الوعي الجماهيري باتجاه إنهاء هذا الانقسام فهي ستخسر في نهاية المطاف، وهي ليست النموذج الذي راهن عليه 'الإخوان' في المنطقة لأن النموذج القمعي والأكبر آيل للسقوط. وحركة 'حماس' اليوم تجد نفسها في تعارض مع العلاّمة القرضاوي، وهي لا تستطيع المجاهرة بحلفها مع إيران وهي ليست بوارد مغادرة الحلبة السورية ولم يعد رهانها على 'عهد جديد في مصر' واقعياً وهي تواجه خطر الضربة العسكرية الإسرائيلية القاصمة إن هي حاولت تغيير قواعد اللعبة أو الخروج من هذه اللعبة نحو لعبة خلط أوراق جديدة. إنها حالة إرباك شاملة لا ينفع معها ولا يشفع لها أية محاولة لادعاء أية أطروحات معاكسة.
أما ملف 'الإخوان' وفصائل 'الإخوان' فهم أيضاً، في وضع لا يُحسدون عليه لأن هامش تأثيرهم في دائرة التحالف أصلاً كان صغيراً وهم سيدفعون ثمناً غالياً من لحمهم الحي مع تجذّر الحركة الشعبية في الشارع العربي ولن تفيدهم يساريتهم إلا بقدر تأقلمهم مع حركة الشارع وهو تحول صعب في ظل الذهنية التي تقود هذه الأحزاب.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع