ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
علامات على الطريق - اليمن.. ديكتاتورية الجغرافيا وإشكالية التاريخ
05/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : يحيى رباح

ما يجري في اليمن منذ السابع عشر من شباط الماضي، ليس فريدا من نوعه، وليس منقطعا عما سبقه من أحداث، فاليمن، هذه البلاد العصية الطاردة، كانت في الزمن القديم احدى بوابات العالم سواء من خلال موانئها على مداخل المحيط الهندي، أو من خلال طرقها الأرضية التي تتوزع في عدة اتجاهات، والمدن اليمنية الرئيسية في مأرب والجوف والمكلا وعدن وصنعاء وتعز وزبيد وصعدة كانت حواضر لدول وصلت شهرة بعضها الى الآفاق!!! وظلت هذه البلاد التي اسمها اليمن تضخ الى من حولها من مناطق الدنيا نماذج مفاجئة، فدولة سبأ كان على رأسها ملكة جميلة اسمها بلقيس، ودولة حمير في الجوف كان على رأسها ملكة حكيمة هي أروى بنت أحمد، وسدها الذي انهار بفعل السيل العرم قبل التاريخ وصلت شظاياه البشرية الى كل المنطقة العربية من العراق الى موريتانيا، وبعض الأمراء اليمنيين أسسوا ممالك في أفريقيا على الشاطئ الشرقي من البحر الأحمر، وطرد اليمنيين للبريطانيين من عدن عام 1967 كان ردا عظيما على هزيمة حزيران، وثورة اليمن على الامامة في عام 1962 كانت ردا على وجع الانفصال بين مصر وسوريا، والوحدة اليمنية في عام 1990 كانت أشبه بالمعجزة.
ولكن مجد هذا التاريخ تعكره دائماً دكتاتورية الجغرافيا اليمنية، التي لم تتبلور فيها دولة مركزية نسبيا الاّ على يد الرئيس الحالي علي عبد الله صالح الذي قام بدور الفدائي حين استجاب لضغط القبائل في الجزء الشمالي من اليمن لكي يتولى المسؤولية عام 1978، لأن اغتيال الرؤساء قبله كان أشبه بالألعاب المسلية في الشمال والجنوب على حد سواء، كما أن قوّة الاحتقانات القبائلية والطائفية والاقليمية كانت تتحول الى حروب طاحنة بين الشمال والجنوب تؤدي الى مزيد من الفقر والعداوات وبالتالي اختلال معادلة الأمن في المنطقة.
الوحدة اليمنية التي صمدت حتى الآن، أي قرابة واحد وعشرين عاماً، لم تكن يومياتها هادئة، فالوحدة اليمنية لم يكن مرحباً بها من عديد من دول المنطقة وان كانت مدعومة من النسق الدولي، ولذلك فان كل محاولات الانفصال والعودة الى الوراء لم تنجح لأن النسق الدولي لم يوافق على الانفصال! ولكن المشاكل ظلت موجودة، المشاكل تكمن في مشاركة مرضية بين أطراف الوحدة، في السلطة والثروة! والمشاكل لها علاقة بتأثر الداخل اليمني بما يجري في المنطقة مثل تمرد الحوثيين الزيود في صعدة، ودخول ايران على الخط بسبب أن صعدة هي على الحدود مع السعودية! والمشاكل لها علاقة باختلال التوازن بين القبائل والدولة المركزية، لأن الدولة المركزية التي تريد أن تبسط سيطرتها على كل اليمن، بشاطئ على البحر الأحمر وبحر العرب يزيد عن 2400 كم، وحدود برية عصية مع الربع الخالي وشبه الجزيرة، وأكثر من مئة جزيرة في البحر الأحمر، وظروف تنمية مكلفة جداً، ووحدات بشرية تمتد على أكثر من ستمائة وخمسين ألف كيلومتر مربع، كل هذه العوامل بالاضافة الى أكثر من سبعين مليون قطعة سلاح، ونسيج مذهبي ومناطقي «شوافعة سنة وزيود وفاطميون» وامكانيات محدودة، واستثمارات لم تصل الى المستوى المطلوب، كل هذه العوامل جعلت الاستقرار يحضر ويغيب في جدلية لا تنتهي.
الآن، في الأحداث الجارية حاليا، هناك أطراف عديدة في المنطقة وفي العالم تراقب تطور الأحداث، ولكنها خائفة من البديل، فالأمن اليمني هو صمام أمان للأمن في المنطقة التي تحتوي على آبار احتياط من النفط والغاز، وهي منطقة تتصاعد فيها تهديدات القاعدة، وتتصاعد فيها التهديدات الايرانية، وبالتالي فان فكرة رحيل النظام الحالي الذي يرأسه الرئيس علي عبد الله صالح ليست هي العقدة، بل العقدة هي البديل، وخاصة وأن المعارضة الحالية، المكونة من أطراف اللقاء المشترك، والحراك الجنوبي، والتمرد الحوثي، والانشقاقات العسكرية، ومجموعات الحراك الشبابي، لا يجمعها حتى الآن سوى رحيل الرئيس، ولكن ماذا بعد الرحيل؟
السؤال صعب، لأن السيناريوهات مخيفة، والدول الكبرى في العادة حساباتها مختلفة عن الأطراف المحلية، ولهذا فان الموقف الأميركي متردد، والمواقف الدولية كلها مترددة، كما أن الجيران الآخرين وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية حذرة جدا، وخاصة أن المملكة كانت شاركت قبل شهور قليلة في الحرب ضد الحوثيين الذين تسللوا الى بعض مناطقها، كما أن الايرانيين أثاروا المشاكل في البحرين، فمن يضمن كيف تسير الأمور اذا رحل النظام دون ضوابط ودون بدائل توحي بالثقة، في ظل معارضة لا يوحدها الآن سوى عدائها للرئيس علي عبد الله صالح، ولكنها بعد ذلك لديها أجندات متناقضة الى حد المستحيل!
لقد عانى اليمن من اجتياح العراق للكويت، ثم من حرب الخليج الأولى، وحرب الخليج الثانية، ومن تصاعد موجة الارهاب الدولي، ولكنه استطاع رغم الأعباء الباهظة أن يحافظ على وحدته، وأن يصنع علاقاته مع جيرانه باتفاقيات حدودية ناجحة، وأن ينجو من حرب طويلة مع أرتيريا حول الجزر ولجأ الى التحكيم الدولي، وتوسع في مشروعات البنية التحتية، وفي التعليم، وفي السدود للاستفادة من مياه الأمطار بل وتقارب كثيرا مع محيطه الخليجي، فماذا اذا انزلقت أقدامه نحو الفوضى، كم سيكون باهظا الثمن الذي يدفعه؟ وكم سيكون باهظا الثمن الذي ستدفعه المنطقة من حوله، وليس فقط في شبه الجزيرة العربية بل في أفريقيا الشرقية؟ نتمنى أن يعبر اليمن نحو تغيير مطلوب ولكن بأقل ضرر ممكن، وأقل خسائر محتملة.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع