ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
مدارات - نقابات ونعرات
05/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : عدلى صادق

حضرت مع أخي توفيق الطيراوي مفوض المنظمات الشعبية، جانباً من اجتماعات المكاتب الحركية للنقابات. وهذه ـ لمن لا يعنيهم أمرها من القُراء الأبعدين ـ هي إطار الكادر الفتحاوي النقابي، الذي يهيئ نفسه لخوض الانتخابات العامة للنقابة، ويناقش قضايا المنتسبين، وربما يُصيغ برنامجه الانتخابي. وفي تلك الاجتماعات، كانت الغاية الأولى هي فرز مرشحي حركة فتح لانتخابات النقابة. وللأسف فوجئت بما هو مُحزن، لا سيما أن الاجتماعات التي حضرتها بمحض المصادفة، كانت تتعلق بذوي المهن رفيعة التعليم، بل التي يُفترض أنها بفئات اجتماعية نخبوية. فقد أذهلني السجال المنبعث من مواقع مناطقية صغيرة ومتجاورة، كأن يطالب صوت بـ «حصة» لشمال المدينة وآخر لجنوبها، وثالث لمخيم كذا، ورابع لشمال البلد، وخامس لتخوم القرية، وكأننا بصدد توزيع مقاعد قطار وحيد فاخر، وسريع، يتجه الى المجد المؤكد، ولا قطار قبله أو بعده، بل لا شروط على كيفية الركوب، ولا تقييم لآداب المسافرين خلال الرحلة، ولا اختبار لجدوى الانتقال الى هذه الوُجهة، في هذه الدرجة أو تلك!
* * *
أولى هذه الدلالات لهذه الظاهرة، يتلخص في خلو الوفاض من أية ايديولوجيا. وهنا، نستخدم مصطلح الأيديولوجيا مع تحاشي الخطأ الشائع في استخدام المصطلح، إذ تُنسب الايديولوجيا الى العقائد الإيمانية والوضعية. وحركة فتح لا تتبنى عقيدة اجتماعية بعينها، وتترك العقائد الإيمانية واللائكية، لخيارات أعضائها، لكنها ينبغي أن تظل ذات رؤية، تشكل برنامج عمل سياسيا واجتماعيا. والأيديولوجيا هي المعنى المختصر، للمفاهيم والقناعات والخطوط العامة التي يتشكل منها هكذا برنامج. فالفتحاويون في غياب الأيديولوجيا، ينشغلون في التحاصص فيما بينهم، ويوظفون التفصيلات الصغيرة للجغرافيا، إذ عندما تضيع ملامح مشروع المَغْرَم، أي برنامج العطاء الأمين والنزيه للمجموع الوطني، بترفع واجب عن الاعتبارات الجهوية؛ تحضر سمات أو نزعات المغنم المُفترض، أو المزايا والمنافع التي يتوهمها الواهمون!
* * *
كثيرون يجهلون المعنى الشامل للفساد، ويظنون أنه يتعلق حصراً بسرقة المال العام، أو بالتربح غير المشروع وبالأشكال الفاقعة لخيانة الأمانة. ربما لا يخطر على بال، أن من بين أسوأ أنماط الفساد، التجاوز عن حقائق التاريخ وفضائل المجتمع ومآثره الكفاحية، في كل قرية أو مخيم أو مدينة من أرض فلسطين التاريخية، لتمرير ممارسة التفرقة والإقصاء، على قاعدة الجغرافيا أو الفئة أو العائلة، وتكريس المحاباة والتنميط الجُزافي للناس. وفي الواقع ليس لهذه الممارسة البذيئة، رؤية صالحة للإفصاح عنها، ولا يستند التنميط الكريه الى أية حقائق أنثروبولوجية، لأن وطننا صغير، ووعيه الجمعي متشابه وقليل التنوع. إن الدافع الى التنميط، يأتي في سياق أوهام الاستئثار الشخصي للأفراد مثيري النعرات. ونلاحظ اليوم، في خضم انتفاضات الشارع العربي، أن المجتمعات كانت تعاني، قبل الفعل الثوري الغاضب على الأنظمة، من مرارات التنميط والتباغض بين الجهات والقبائل أو القوى والمذاهب والمشارب، في الوطن الواحد. ذلك لأن فشل الأنظمة الأول، كان يكمن في انشغال رؤوسها أو شرائحها المتنفذة، عن مهمتها الرئيسة وهي تعزيز الحواضن المعنوية والثقافية للشعور الوطني العام. وعندما اندلعت الثورات كبدائل، ومثلت كل هبّة شعبية، حاضنة للشعور الجمعي للناس، تراجعت النعرات. فلا جنوب اليمن صار يشكو من ظلم الشمال، ولا قبائل الشرق الليبي باتت تشكو من ظلم قبائل الغرب، ولا الأمازيغ باتوا في وارد الإحساس باستهداف عربي لهم، تمثله السلطة في ليبيا وتونس، ولا أكراد دير الزور، باتوا ينظرون شزراً للسُنة العرب، ولا ينظر المسلمون والمسيحيون والدروز، في اللاذقية والحسكة وحوران والسويداء، الى بعضهم البعض بمنظار جهوي أو مذهبي. فمؤسسة السلطة، حين تسكنها لوثة المغنم ونوازعه، تُطيح بمشروع وحدة الوجدان الشعبي، وهي التي تختلق النعرات وتتركها تشتعل، ثم يزيد الاشتعال تأججاً، فساد القائمين على الإدارة، حين يلعبون بمفردات الجغرافيا الضيقة، ويجرحون مشاعر الناس، ويستبدلون الأريحية الوطنية، بمرارات وألاعيب الإقصاء والمحاباة!
في وطننا، عندما تناولت ظاهرة النعرات، في عدة أحاديث نقدية مع الأصدقاء، فوجئت بما هو أدهى. وكان ما فوجئت به طبيعياً، فإذا كانت النخبة تفتش عن حصص لشمال المدينة، ولجنوب القرية، ولفخذ العشيرة، فماذا يفعل الشُبان البسطاء؟! وقال لي صديق، إن السخافة بلغت لدى البعض، حد وصف ابننا العامل الفقير، بالتايلندي، حين يفد من شمالي الضفة، لكي يكسب رزقه بعرق جبينه، في المدينة الهانئة، أي في سوق العمل الفلسطيني لا الإسرائيلي. وأيضاً تُستعار، للتمييز، أرقام فتح خطوط المحافظات، للإشارة بالرمز الى ابنائها. لقد أحسست أن هذا المنطق الذي يلتقطه النعراتيون، من سطح الوعي الإسرائيلي، يركز على تعبيرات التمييز بين المتحدرين اليهود، من القوميات والأوطان الكثيرة، ولا يركز على وحدة الإسرائيليين حيال «الخطر» العربي!
نحن، ولله الحمد، شعب بلا فوارق مذهبية، ونحب مسيحيي بلادنا. فمن بين عناصر بهاء فلسطين، هو التنوّع الإعجازي في أقاليمها المُناخية، على الرغم من رقعتها الضيقة، وهذا يزيدنا ابتهاجاً بالانتماء الى وطننا، مثل ابتهاج عباس العقاد عندما زار بلادنا في العام 1946 فأذهله الانتقال في غضون عشرين دقيقة بالسيارة ـ كما كتب ـ من فصل الصيف على شاطىء يافا، في شهر آب، الى فصل الربيع فوق تلال الضفة، وأذهله أكثر أن يكون لدينا مناخ صحراوي في النقب، وآخر حار شتاءً، في أريحا، وذلك كله في نطاق جغرافي صغير!
إن الإمساك بالعروة الوثقى للشفافية، وللعدالة في الإدارة، يعزز الرابط الوطني ويكرس حواضنه التي اختزنت إرثاً كفاحياً كحركتنا. ولن يفلح نظام يُعمّق الفرقة، ومن علائم الخيبة، أن لا يتنبه أي نظام وأية حركة، الى ضرورة إيجاد الرباط الوطني الفعلي، والى أهمية المحافظة على هذا الرباط، وأن لا يتحلى بجماليات العاطفة النبيلة، حيال شبابنا وبناتنا من أية جهة كانوا وكُنَّ. المهم إن مشكلتنا تكمن في النُخبة. ففي يوم مجلس العزاء في الراحل أبو خالد البطراوي، فوجئت بوجود الرفيق رمزي رباح من المكتب السياسي للجبهة الديموقراطية. والرجل عزيز عليّ شخصياً، وهو من أصل لبناني وماروني من حيث الطائفة، أي إن الود معه، على قاعدة فلسطين، متخط للفئوية وللأيديولوجيا وللدين. فعندما كنت أسلم عليه وأعانقه، ربما يكون ارتفع صوتانا قليلاً، فإذا بوزيرة «أممية» من حيث الطرح الحزبي، تقول بتأفف، ويسمعها الجالسون بمحاذاتها، ما معناه إن هذا الضجيج غزاوي. فالسيدة «الأممية» تحتفظ بقائمة التصنيف المناطقي لتدرجات الأصوات، ويمكن أن تفوز ببراءة اختراع فتح الخطوط، لكل الأصوات، مثلما تُفتح خُطوط الهاتف الدولي للأقطار المتباعدة، أو هي تستعيد حديث الاقدمين عن الجبالي والجبلي، المضطر حكماً، للصراخ لكي يسمع صوته من هم في الوادي السحيق. وعندما بلغني ما قالته، صدمتني المفارقة، والحق انها أفلتت من رد فعل مشهود ومسلٍ ومسموع، في ذات المجلس المهيب، لأنني علمت متأخراً، إذ كيف لسيدة «أممية» من النخبة، أن تتمثل دورا لا يليق بها. ولو أردت أن أزيد على الوزيرة، فثمة مفارقات وتقاطعات شخصية، لها، مع سكان غزة، تصلح للحديث على سبيل الدُعابة!
نعود الى نقاباتنا، ونتمنى على كادراتنا وشبابنا، أن يتخطوا كل الحسابات الصغيرة، وأن يقدموا الأقدر والأكثر احتراماً ومناقبية، حتى وإن تصادف أن يكون معظم أفراد المجموعة، التي تقتسم مقاعد القطار، من محافظة واحدة. فلا بأس طالما أن لدى هؤلاء، رؤية للعمل الوطني العام، المُنزّه عن النعرات. فلا نقابة بلا مناقبية!

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع