ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
غولدستون.. عندما لا ينفع الندم !
05/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : هاني حبيب

حتى قبل أن يتم تعيين القاضي ريتشارد غولدستون ليترأس لجنة التحقيق حول الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة من قبل مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، حتى قبل ذلك، أعرب أحد رؤساء المنظمات اليهودية في الأمم المتحدة، من أن تلجأ المنظمة الدولية إلى تعيين يهودي لرئاسة مثل هذه اللجنة 'كان هذا شهادة تأمين بالنسبة لهم كي لا تتهم اللجنة باللاسامية' ولدى تعيينه دافع غولدستون عن دوافعه لقبول رئاسة اللجنة قائلاً: 'وافقت على هذه المهمة بالذات بسبب إسرائيل، فكرت بأني أستطيع المساهمة وإن بقليل كي أدفع السلام من أجل إسرائيل إلى الأمام'.
إلاّ أن حجم الحقائق المذهلة، التي توصل إليها غولدستون، وأعضاء اللجنة الثلاثة الآخرون، كانت من الوحشية بحيث لم يكن بالامكان تجاهلها، إلاّ من خلال بعض الصياغات التي خففت عن إسرائيل بعض مسؤوليتها، وخرج التقرير بإدانات واضحة لهذه الحرب غير المبررة، كما توصلت اللجنة، واعتبرت إسرائيل هذا التقرير، غير متوازن، ويناقض ما توصل إليه تقريرها الخاص حول المسألة نفسها، مشيرة إلى أنه كان من الجيد أنها لم تسمح له، لغولدستون، بالتحقيق مع أطراف الحرب على غزة في الجانب الإسرائيلي.
ومنذ أن رفع غولدستون تقريره للجنة حقوق الإنسان، وهو يعاني من هجمة إسرائيلية واسعة النطاق، كون هذا التقرير يشجع الجانب الفلسطيني من ناحية، ويعزل، إسرائيل من ناحية ثانية، ويضع شكوكاً على لجان التحقيق التي تعقدها إسرائيل من ناحية ثالثة، وحشدت إسرائيل كل قواها ليس فقط للتشكيك بمضمون التقرير، ولكن، أيضاً، لعزل غولدستون عن محيطه، ومجتمعه، وتقول 'يديعوت' في هذا الصدد (3/4/2011): إن إسرائيل مارست عليه ضغوطات هائلة من جانب الجاليات اليهودية في كل أنحاء العالم، وحظي بمعاملة إنسان منبوذ ابتداءً من جنوب أفريقيا التي جاء منها وانتهاءً بالولايات المتحدة، وحتى لم يسمح له 'بالصعود إلى التوراة' في حفل بلوغ حفيده بأحد كنس جنوب أفريقيا. أحد اليهود البارزين في العالم والمحاضر في جامعة هارفارد 'الن درشفتس' اتهم غولدستون بنشر الأكاذيب 'بعد التقرير لم يعد بوسع ايهود باراك وزير الدفاع الإسرائيلي أن يسافر إلى لندن، أما خالد مشعل 'الإرهابي الكبير' فيمكنه أن يتحرك بحرية'.
هذه بعض أهم الأسباب التي دفعت غولدستون لنشر مقال 'الندم' في واحدة من الصحيفتين الأهم في الولايات المتحدة 'واشنطن بوست' تحت عنوان 'مراجعة لتقرير غولدستون عن إسرائيل وجرائم الحرب' يصادق فيه على محتوى التقرير الإسرائيلي حول هذه الحرب، وكأنه يحاول وقف الحرب الإسرائيلية عليه وعلى تقريره، لكنه لم يلجأ ـ كما ترغب إسرائيل ـ إلى الطلب على نحوٍ رسمي من مجلس حقوق الإنسان، لسماع شهادته من فوق منصته، وكان هذا ممكناً كما أشارت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية، بدلاً من مقال غامض في إحدى الصحف، وكأنما حالة 'الندم' هذه التي انتابت غولدستون، جاءت بسبب الضغوط وليس مردها إلى القناعة بما يتراجع عنه.
وربما توقع غولدستون، لدى قيامه بهذه المراجعة، أن يحظى بالعفو والرضا من جانب إسرائيل، لكن ما حدث، هو محاكمة جديدة لغولدستون، فقط طولب من القيادات الإسرائيلية المختلفة، ابتداءً من رئيس الدولة بيريس، ورئيس الحكومة نتنياهو، ووزير الدفاع باراك، وحتى وزير الخارجية ليبرمان وغيرهم، ليس فقط الاعتذار لإسرائيل، بل أن يقوم غولدستون بنشر استنتاجاته الجديدة على كل الهيئات الدولية التي نشرت التقرير 'المزيّف' الذي كتبه لها، رئيس الدولة كان الأشد في تصريحاته ضد مراجعة غولدستون هذه 'من التظاهر بالبراءة القول الآن إنه يرى الأمور بشكل مغاير، فحتى عندما بدأ التحقيق كانت الحقيقة المركزية أمام ناظريه وهي أن إسراٍئيل عملت في غزة على سبيل الدفاع'.
ومن التأثيرات الجانبية على مراجعة غولدستون لتقريره، ردود الفعل الإسرائيلية الداخلية، فهناك خلافات واسعة حول تقييم هذه المراجعة، ومدى تأثيرها على مجرى التقرير، فهناك من رأى أن اتخاذ المجلس الوزاري قراراً بمقاطعة لجنة غولدستون، كان خطأً كبيراً، خاصة وأن غولدستون في مقالته، أشار إلى أن التقرير كان يمكن أن يكون أكثر توازناً لو أنه لم يقاطع مع لجنته من قبل إسرائيل، وبقول آخر، كان غولدستون يعزو مراجعته، بشكل أو بآخر، إلى قصور إسرائيل في التعاون مع اللجنة، مما أدى إلى الوقوع في أخطاء، أي أن غولدستون يحمّل إسرائيل، نسبياً، سبب ما جاء في محتوى تقريره من إدانات للحرب والأداء الإسرائيلي فيها.
غير أن للأمر صورة أخرى، فقد أثارت مراجعة غولدستون لتقريره حرباً إعلامية داخلية، فقد أعادت بعض وسائل الإعلام، كصحيفة 'إسرائيل اليوم' الخلل في تقرير غولدستون، ليس بسبب مقاطعة إسرائيل للجنة، 'ولكن لأن بعض وسائل الإعلام، كصحيفة 'هآرتس' التي تعاونت مع غولدستون على الإساءة لإسرائيل وسمعتها في المحافل الدولية، عندما مهدت 'هآرتس' خلال قيام لجنة غولدستون بتحقيقاتها، بسلسلة اتهامات هوجاء موجهة للجيش الإسرائيلي، وكانت افتتاحياتها ومقالاتها يعاد نشرها في وسائل الإعلام، الأمر الذي ساعد في إشاعة أجواء معادية لإسرائيل في العالم كله باعتبارنا مجرمي حرب'.
وكما قام بهذه المراجعة المذلة، فإن غولدستون، بالتأكيد، يراجع الآن ردود الفعل على مقالته وندمه، وربما سيجد أن العديد من كبار قضاة العالم، والحقوقيين ومنظمات حقوق الإنسان، التي سبق أن كالت له المديح على نزاهته، أخذت تراجع موقفها منه، كونها تدرك أن ندمه ليس مرده إلى توصله إلى حقائق جديدة، بقدر ما أنه نتيجة لخضوعه للضغوط والابتزازات الإسرائيلية واليهودية، فقد يكون ربح جالية، لكنه خسر عالماً بأسره، كل ذلك من دون أن يربح إسرائيل التي اعتقد أنها ستحتفي به وبمراجعته، وربما سيصدم من أنه أعاد فتح النار على نفسه من جديد، وأعاد تركيز الحرب الإعلامية عليه من قبل إسرائيل التي من الصعب عليها أن تعفو عنه، فالأمر ليس بحاجة فقط إلى الندم، بعدما أدى التقرير الذي رفعه إلى الكشف عن حقيقتها، بأكثر الأشكال وضوحاً.
التقرير المعتمد من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة، تمت مراجعته قبل أسبوع واحد من مراجعة غولدستون له في 'واشنطن بوست' وسيراجع من جديد في حزيران القادم، بغية مناقشته، كما هو، في أيلول لدى اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، بهدف دفعه إلى مجلس الأمن، كي يتم إرساله إلى المحكمة الجنائية، أي أن آليات عمل هذا التقرير ماضية كما لو أنه لم تكن هناك مراجعة من قبل غولدستون، كل ما تستطيع فعله إسرائيل، هو الجانب الإعلامي، واستمرار إظهار عدم التعاطف مع صاحب التقرير، رغم توبته وندمه!

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع