ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
سلعة .. مطرودة من السوق!
04/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : علي الخليلي

في النشرة العربية من 'لوموند ديبلوماتك' الفرنسية، عدد 26، الصادرة في الخامس من كانون الثاني الجاري، والموزعة ضمن صحيفة 'الأيام' في الأسبوع الماضي، مقال للشاعر الفرنسي جاك روبو، تحت عنوان 'عناد الشعر'، يتحدث فيه عن المصير المزري والموحش الذي آل إليه الشعر في العالم كله، حيث تكاد تخلو صفحات الجرائد والمجلات من الحضور الشعري، وتنفر أرفف المكتبات من احتمال وجود المجموعات الشعرية، بين كتبها المتراصة، كما تتحاشى المؤسسات الثقافية والفنية الحكومية والمجتمعية المدنية على حد سواء، دعوة الشعراء في الغالب، إلى الوقوف على منصاتها المفتوحة على سعتها في آن، لغيرهم من بقية المثقفين والفنانين.
لماذا الشعر على وجه التحديد؟ يرى جاك روبو أن كل الفنون والآداب، باستثناء الشعر، أصبحت سلعاً اقتصادية قادرة بصورة أو بأخرى، من المسرح إلى السينما إلى الفن التشكيلي إلى الموسيقى، وحتى إلى الرواية، على المنافسة في السوق. أو على الأقل، على بقائها حية ومتحركة بالحد الأدنى، بين مخالب الاستثمار العالمي الجديد. هي في المحصلة، سلع إنتاجية قابلة للبيع. وقابلة في بعض الأحوال، للربح أيضاً، على العكس من الشعر تماماً. هو وحده المطرود من السوق. لماذا؟ يقول الشاعر الفرنسي: 'لا يمكن بيع الشعر. إذاً لا أهمية للشعر'. والأهمية المعنية لا شأن لها بالذائقة الفنية. ولكنها الأهمية الاقتصادية فحسب. ذائقة المال. وطالما أن الاقتصاد هو الأساس، فإن الشعر الذي لم يعرف كيف يشارك في هذا الأساس، لا قيمة له، ولا أهمية، كأنه غير موجود. أو كأنه في الواقع، عبء عبثي من إرثِ ماضٍ بعيد، لا بد من إزالته، والخلاص منه!
مع ذلك، لا يزول الشعر. ولا يتوقف الشعراء عن كتابة قصائدهم. فهل هو 'العناد' المتمرد على الطرد الحاصل في كل حال؟ ثمة سخرية تصل إلى حد الازدراء في ثنايا هذا الطرد. من يزدري من؟ يحسب كل شاعر أنه 'الفاعل' في هذا الحد، وليس 'المفعول'! وهو في هذا الحسبان، مستمر على وهمه المتمثل بالعناد. يقول شاعرنا الفرنسي روبو: 'ولكن، ما النفع، وسط هذه الظروف، من الإصرار على الانتماء إلى فئة الشعراء؟ هنا غالباً ما تكون الإجابات متناقضة وغامضة. إذ يؤدي الضعف الذي يطال الشعر على المستوى الاقتصادي ــ وهذه نتيجة طبيعية للنموذج الاجتماعي الذي يعيش فيه الشاعر، على غرار سواه من الناس ــ إلى ازدراء معلن نوعاً ما، من قبل هذا العالم، إزاء من يتجرؤون على المطالبة بصفتهم شعراء'.
وهكذا 'أن تكون شاعراً، لا يعني شيئاً في الحقيقة'. ووفق هذا المعنى 'اللاشيء'، يتحقق بالمقابل، معنى مغاير ومعاكس على الفور. وهو أن الشعر لا يزال موجوداً بمزيد من الكثافة الواضحة هذه المرة، وإنما خارج الشعراء أنفسهم. في الأغاني مثلاً. ليس الشعر الغنائي. بل هو الغناء فقط. ليس الشعراء، بل المغنون والمطربون والراقصون. ضع مغنياً على خشبة المسرح هذا المساء، وسوف تجد حشداً كبيراً من الناس يدفعون أثمان تذاكر الدخول إليه، والتدافع من أجل الاستماع له بشغف ومتعة. وضع في المساء التالي شاعراً، واستخدم كل طاقاتك الإعلامية في التحشيد له، مجاناً بلا أثمان ولا تذاكر، فإنك لن تحصد سوى الفشل لك وللشاعر وللشعر. ربح اقتصادي ــ تجاري في المساء الأول، وخسارة فادحة في المساء الثاني. مسألة حاسمة. فكيف لك أن تواصل الكذب على دلالات الواقع 'الميداني' الصريح والصادق والمباشر؟
إلى ذلك، يخلص صاحبنا روبو إلى القول 'إن الشعر، بالنسبة للعالم، لم يعد ممكناً إلا في حال تم إيجاده في المكان الذي لا يوجد فيه، في الأغنية، وفي غروب الشمس، .. وفي ثقافة الشركات'. وهي الثقافة السائدة بمصطلحها الاقتصادي الجاهز 'التسليع لكل شيء'. فما/من سقط من نسيج هذا المصطلح، سقط من الثقافة كلها. أما أن يكون الشعر، كما يريده الشعراء، وكما تريده ثقافتهم، 'مواجهة بينهم وبين اللغة'، فإنها إرادة مرفوضة من العالم. لأنها غير مفهومة أولاً. من يقدر على فهم هذه المواجهة إلا الشاعر نفسه؟ حتى أن شاعراً آخر سواه، لا يستطيع في كثير من الأحيان، أن يفهمه! فكيف لغير المفهوم من أهله المعنيين أصلاً، أن يطلب من الناس أن يفهموه؟ ألا يقول العرب، في السياق الباقي، والشعر ديوانهم التاريخي العريق، أن 'المعنى في بطن الشاعر'! فمن ذا الذي يتمكن من الوصول إليه، وفيه يتردد إلى يومنا هذا، القول الاستنكاري للشاعر أبي تمام المتوفى قبل أكثر من اثني عشر قرناً 'لماذا لا تفهمون ما أقول'، لمن سأله 'لماذا لا تقول ما نفهم؟'. ولأنها ثانياً، مواجهة لا علاقة للسوق بها، ما يعني بالنسبة لمفهوم السلعة، أنها مواجهة في الفراغ. كلمات، كلمات، من أحبال صوتية منعزلة وغامضة. وأنها والفراغ ذاته، في هذا التصويت الغامض، سواء.
عكس هذا الفراغ، أستحضر المشهد الممتلئ لشاعرنا الراحل محمود درويش. كان المئات من الناس يحتشدون لسماع قصائده. هل كان استثناء؟ أم أن شعره الغنائي الذي لم يغادر الأوزان الكلاسيكية والمألوفة للأذن العربية (عروض الخليل بن أحمد الفراهيدي)، نحو التغيير الذي مارسته ما سماها النقاد 'قصيدة النثر'، في تفكيك وبعثرة هذا العروض، وهذه الألفة للصوت وسماعه، إلى درجة المحو والتجاوز، كان قادراً على دعمه السلعي في السوق؟ وربما كانت قضيتنا الفلسطينية في بعدها الغنائي هي الأخرى، أيضاً، واقفة وراء هذا الـدعم؟
يجوز. إلا أن الحقيقة أن الشاعر من أي وزن، وضمن أية قضية، هو في السوق، لا شيء! وللأمانة أن هذه الحقيقة تلسع وجهي منذ خمسن سنة على الأقل، منذ خططت قصائدي الأولى. والأنكى، أنها لسعة الازدراء الذاتي، على وجه الخصوص. كأن الشاعر 'عيب'، وليس 'لا شيء' فحسب! وقبل بضعة أيام، أحسست بقسوة هذه الخصيصة المعيبة، حين أبيت 'أنفت، رفضت، ترفعت' أن أكتب إلى جانب اسمي، أنني 'شاعر'، في استمارة شخصية تلزمني بتعريف صفتي، واخترت بدلاً منها صفة 'الكاتب'. الكتابة مهنة. والشعر بطالة العائبين!؟
الليلة، على أية حال، سأبدأ بكتابة قصيدة جديدة. هكذا، عناد

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع