ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
غولدستون أخطأ، غولدستون أصاب
03/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : الدكتور عاطف أبو سيف

بدا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منتشياً وواثقاً وهو يعقب على التحول في موقف القاضي الجنوب أفريقي الذي أثار نقاشاً واسعاً بتقريره حول العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة نهاية العام 2008 بداية العام 2009. نتنياهو أصر على ضرورة سحب التقرير وتعطيل العمل به. بل إن قاضيه الذي قال إنه أخطأ هاجم مجلس حقوق الإنسان العالمي وتحدث عن حقائق لم يكن يعرفها. لم تكن مواقف غولدستون تلك بالفجائية إذ إنها تشكل تراكمات لجملة من الملاحظات التي واظب القاضي الجنوب أفريقي على إثارتها بين الفينة والأخرى والتي كانت تهدف إلى التشديد على أنه لم يخطئ إسرائيل وحدها بل إنه خطّأ المقاومة الفلسطينية. وهذه حقيقة فإدارة 'حماس' في غزة أيضاً مدانة وفق كلمات التقرير لأنها هدفت إلى قصف المدنيين وإلى استخدامها للمدنيين الفلسطينيين كدروع بشرية وما إلى ذلك من الممارسات التي لم تختلف في وجهة نظر غولدستون إلا في الحزم تجاه إدانتها. وعليه ما فعله غولدستون في مواقفه الجديدة هو التشديد على وجوب هذه الإدانة ومساواتها من حيث بشاعتها مع الممارسات الإسرائيلية. فالفلسطينيون أيضاً ارتكبوا انتهاكات جسيمة، وفق وعي غولدستون الجديد، كان يجب أن يجرموا وفقها. وبعبارة مختلفة فكل ما قام به غولدستون هو تضليل العبارات التي وردت في تقريره السابق وتكبيرها بعدسة إعلامية جديدة شكلت قنبلة من العيار الثقيل في خضم الخلاف القانوني الذي لم يحسم حول سبل التعامل مع إسرائيل.
لقد شكل تقرير غولدستون نكسة كبيرة لإسرائيل من عدة جوانب أهمها أنه شكل إدانة جديدة لها في وقت شكل تراكم هذه الإدانات مصدر قلق لها. فهو جاء في ظل الانتقادات الدولية الكبيرة للقصف الإسرائيلي ولقتل المدنيين في العدوان قيد التحقيق. وربما لم يكن من الممكن لغولدستون أن يخرج بخلاصات وتوصيات أقل حدة من تلك التي خرج بها في ظل الفضائح الكبرى التي واجهتها إسرائيل إثر انكشاف جرائمها في غزة. وبهذا فإن غولدستون تساوق مع المزاج العام الذي ساد المجتمع الدولي بضرورة إدانة إسرائيل لكنه نجح في لفت أنظار المجتمع الدولي إلى أخطاء الفلسطينيين وانتهاكاتهم للقانون الدولي مساوياً بين الضحية والجلاد.
رغم ذلك فإن تقرير غولدستون جاء بعد تراكم قرارات دولية كثيرة أضعفت من مواقف إسرائيل وليس أهمها بالطبع الفتوى القانونية لمحكمة العدل الدولية بلاهاي بخصوص الجدار وأيضاً التقارير الأممية حول استخدام إسرائيل لحق الفلسطينيين في الحصول على مصادر مائية، وتبع ذلك تقرير قناصل الاتحاد الأوروبي في القدس. ترافق كل هذا مع الحملة الدبلوماسية النشطة التي شنتها منظمة التحرير والرئيس محمود عباس لحشد الاعتراف بالدولة الفلسطينية العتيدة المزمع الإعلان عنها في أيلول القادم.
والنقاش الأكثر جدية الذي كان يدور في أروقة المؤسسة الرسمية في تل أبيب كما في العقل الأكاديمي تمحور حول كيفية مواجهة ما أطلقوا عليه 'حملة نزع الشرعية عن إسرائيل' بحيث تحول النقاش حول السياسات الإسرائيلية في فلسطين إلى سؤال حول جدوى وشرعية وجود إسرائيل ذاتها. وكانت الصدمات الكبرى جاءت من الاستفتاءات الأوروبية التي اعتبر خلالها أغلبية سكان دول الاتحاد الأوروبي إسرائيل أكبر مهدد للسلم والأمن الدوليين.
بالتوازي فإن مقدرة إسرائيل على الاحتفاظ بالمناطق الفلسطينية دون تبرير قانوني أبعد من الهواجس الأمنية لم يعد مقبولاً حتى لحلفاء إسرائيل في واشنطن الذين خيبت تل أبيب آمالهم برفضها العروض المغرية لتمديد تجميد الاستيطان. ورغم أن البيت الأبيض تدخل عبر عملية سريعة لإجهاض قرار إدانة الاستيطان إلا أنه بعث برسائل لمكتب نتنياهو أن مقدرته على مقاومة الضغوط لن تستمر وأن على تل أبيب أن ترد المعروف.
هكذا جاء غولدستون بقارب نجاة صغير لكنه كفيل بأن يقلل من مخاطر الموجة العاتية التي تعصف بإسرائيل. فالإدانة لم يكن يجب أن تكون على النحو الذي خرجت منه. كما أن غولدستون لم يأت بجديد بشكل كامل بل أراد أن يزيد كفة الإدانة الواقعة على الفلسطينيين ويخفف من شدة الإدانة الواقعة على إسرائيل.
بالتأكيد بأن ثمة دبلوماسية إسرائيلية نشطة كان هذا التحول أحد ثمارها. لنتذكر نتنياهو توعد الرئيس الفلسطيني بحملة دبلوماسية خلال العام 2011 تكشف زيف المواقف الفلسطينية. وإعادة النقاش حول تقرير غولدستون الذي هلل له الفلسطينيون واختلفوا حول كيفية التعامل معه بل إنهم تبادلوا الاتهامات بالتخوين حول التعامل معه وصار غولدستون بين عشية وضحاها قديساً، تهدف إلى نسف مجمل الدعاوى التي تناهض إسرائيل. ومناقشة التقرير ستفتح الباب عالياً واسعاً حول جملة القرارات التي أدانت إسرائيل.
لكن الأهم من ذلك أنه وفيما تستعد إسرائيل لشن عدوان مقلص على قطاع غزة فإن غولدستون يقدم لها براءة ذمة من العدوان السابق. وعليه لم يكن توقيت تصريح غولدستون بريئاً تماماً، فهو جاء في الوقت الذي تتحدث فيه إسرائيل عن الحاجة لاستكمال المهمة السابقة في غزة. رغم ما في تقرير غولدستون من نواقص إلا أنه شكل عبئاً أخلاقياً على إسرائيل وأضاف قيداً جديداً على احتمالات شنها عدواناً شاملاً على القطاع. وباستدراكاته البسيطة فإن غولدستون يشارك في العدوان المقبل على غزة.
ماذا فعلنا نحن في المقابل؟ ببساطة خرجنا على العالم بمؤتمر صحافي ضم أجنحة المقاومة المسلحة في صورة مهيبة لكنها ورغم صدقها وصدق النوايا خلفها لا تقول للعالم إلا أننا جيش مسلح ومستعدون لمواجهة أي عدوان إسرائيل علينا بل إننا نرحب بهذا العدوان. وربما كان هذا أحد استدراكات غولدستون التي قد يضيفها إلى أي تعليق جديد على تقريره.
تخيلوا لو كان الأمر بشكل مختلف: أن يخرج مسؤول مدني يقول إننا شعب أعزل في حال تعرضنا لعدوان إسرائيل فإننا ملزمون بالدفاع عن أنفسنا بكل ما أوتينا من قوة قليلة. أيهما أنفع!!

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع