ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
مدارات - مفارقات وتقاطعات
03/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : عدلى صادق

تطورات العالم العربي، حيّرت الكثيرين وفرضت عليهم التركيز في مجريات الأمور، لكي لا يُخطئوا في اتخاذ مواقفهم. فالمسائل تلتبس، ويجتمع المتناقضون في مربع، ثم يعودون الى طرفي نقيض، في مربع ثانٍ، وتأخذهم ذات الدهشة في مربعات أخرى!
أحد أصدقائي من الكتّاب المصريين المعروفين، والذي أعتقد أنني وقفت معه قبل نحو ربع القرن، راعياً لبدايات كتابته في الصحافة، مطمئناً الى خلفيته الدراسية والى ميوله السياسية الأولى، وغير مطمئن الى سلامة لغته؛ يدافع بضراوة عن معمر القذافي، ويتهم الراغبين في إزاحة هذا الطاغية الأعجوبة، ومحاكمته على ما اقترفت يداه؛ بأنهم مؤيدون للإمبريالية. وفي هذا الموقف تتشكل بالنسبة لصاحبي ـ كمثال ـ واحدة من مفترقات طرق المواقف وسياقاتها. فهو يعلم أن إخواننا الشيعة، سواء كانوا من «حزب الله» أو من «حركة أمل» يستعيذون بالله من القذافية التي غيّبت الإمام موسى الصدر، ورفيقه الصحفي محمد يعقوب (قتلاًً بالطبع) ودفنت جثتيهما في الصحراء على حدود تشاد، حسب اعتراف أخير، لمنشق عن القذافي، كان صهره طياراً تولى نقل الجثتين ثم قُتل في حادث مُدبر. وصديقي الكاتب المصري الإسلاموي، ظل في السنوات العشرين الأخيرة، على رأس مجموعة صغيرة من المقربين المصريين للتشيع السياسي، وقد أنعم الله عليه وبات من الموسرين، من خلال عمله في حقل النشر بما يرضي الله و»المقاومة». فقد كنا صديقين فقيرين، قبل نحو ربع القرن، وأنشأنا معاً داراً للنشر برأسمال لا يزيد عن ألفي دولار في حينه، اسميناها «يافا» اعتزازاً بعروس البحر الفلسطينية. وانشققت أنا كمتفنن في الحفاظ على فقري، غضباً واحتجاجاً على نشر كتاب يتعلق بالغزو العراقي للكويت، ومن ثم إعلان الحرب على العراق؛ يتزيد في تشنيع وشيطنة صدام حسين. يومها، كنت بالطبع ضد غزو العراق وتدميره، وإن كنت صاحب أسرع مقال في «القدس العربي» يشرح الأفق الكارثي لاجتياح الكويت (2 آب 1990) وقلت إن هذا الغزو سيجلب الطامة الكبرى على العراق وفلسطين والمنطقة. وكان صاحبي المصري لا يكترث للدلائل التي تشير الى أن الأميركيين يريدون الإجهاز على قوة العالم العربي وتضامنه ومقومات نهوضه. ومضى الرجل وحيداً، في سياق النشر حسب طلب السوق الكبيرة المُجزية، قبل أن ينصرف عنها الى سوق أخرى مجزية، شيعية، تنادي بـ «المقاومة» ولا تختلف مع الناشر على وجاهة تدمير العراق وشنق صدام. وأخيراً أصابتني خيبة أمل، إذ كيف يتحمس كاتب بهذا المنحى الى القذافي، فيما هذا الأخير، صاحب كبائر في الفساد والقتل والعمل ضد المسلمين ومنهم الشيعة والمحرومين؟!
* * *
في نطاق آخر، يتقاطع موقف محسوبكم، مع رأي معارضين وموالين أردنيين، يرون في نعرات المفلسين باسم العشائرية، خطراً داهماً. فهؤلاء يشوهون روح العشيرة الأصيلة، ويدارون عجزهم عن الإسهام في بناء حاضنة وطنية جامعة للشعب في الأردن، ببكائيات ومظلوميات هم آخر من يحق لهم الحديث فيها، لفرط تمييزهم بين خلق الله ولإقحام نعراتهم حيثما يتواجدون في الإدارات. ففي نقطة التقاطع، يؤيد واحدنا تفسير ليث شبيلات، عندما يتعلق الأمر بالعرش الهاشمي الضامن لوجود الدولة الوطنية، إذ سيتفرق الناس شيعاً في مناخ هذه السجالات، وليس أدل على صواب ما يطرحه شبيلات وآخرون من القوميين والكتاب الإسلاميين المستنيرين الذين لا يراقى الشك الى نزاهتهم؛ مما ينتشر من سفاهات تتطاول على الفلسطينيين في الضفتين، بل على شعبنا في الشتات، بكلام يخجل منه اليهود. بل إن هؤلاء يتطاولون على ولاة الأمر في الأردن. فالمسألة تختلف هنا وتتقاطع، ولا تؤخذ بمعطياتها المجردة، وواجبنا أن نحذر من هؤلاء إن امتشقوا أية شعارات، والتمييز الإيجابي بينهم وبين ذوي المطالب والشعارات الوطنية والقومية!
* * *
في النطاق الأوسع، نلتقي مع «الجزيرة» وقطر والقرضاوي، في الموقف من ليبيا. ونلاحظ أن هذه القناة، والدوحة، والشيخ، يختلفون مع النظام السوري حول هذه المسألة لأن الأخير أرسل مدداً للطاغية الأعجوبة، بينما الأولون أعلنوا الحرب عليه. وللشيخ موقف يفترق في أحد التقاطعات الجانبية، مع رأي «الأمير» نفسه في المسألة السورية، وإن كانت تفوهات مولانا في هذا الصدد مقتضبة وخجلى كأنها تسجيل موقف بحجم إشارة عابرة لرفع العتب على صعيد الحلال والحرام، على الرغم من حجم المحنة التي يتعرض لها إخوتنا في سورية. ولا ننسى أن الشيخ كان «سخياً» مع السلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس إذ جعل منهما شغله الشاغل، ذماً وإدانة وتخويناً، علماً بأن الرئيس عباس لا يأمر بقذف بيت أو بإطلاق الرصاص الحي على حشد بشري، ولا بقصف أبواب بيوت المعارضين بالقذائف المضادة للدروع، ولا يقتل القتيل ثم يمشي في جنازته، أو يوزع الابتسامات العسلية على ذوي الضحايا!
* * *
التقاطعات والمفارقات كثيرة. من بينها كذلك حيثيات الظهور المتتالي على شاشات التلفزة، للرئيس اليمني، وهو ظهور يستفز ـ فضلاًً عن أمة العرب ـ عابري السبيل من مسافري الترانزيت الآسيويين، في المطارات الخليجية، إذ لم يشبع الرجل، من سنوات طويلة ممتدة، في الحكم، ويطرح نفسه ضامناً لمستقبل الشعب، وفيلسوفاً، ويتحدث عن مهارات وموجبات الانتقال السلمي للسلطة، حتى يكاد مريدوه يعاونونه لتثقيف السويسريين، وكأنه رمز للبراعة الدستورية وللسلم الأهلي. وحدها الولايات المتحدة، هي التي لا يستفزها لعب علي عبد الله صالح بالبيضة والحجر، فيما جلاوزته وقناصته يذبحون الناس في الميادين والشوارع. فاليمن ـ بالنسبة للأميركيين ـ لا يُنتج نفطاً ولا يسد لشعبه رمقاً، ثم إن من بين بركات «القاعدة» أن CIA وضعت لبنتها الأولى لتشويهنا ولذبحنا ولتح بطون أقطارنا ومجتمعاتها. فإن نجح حاكم في قتل مجموعة من «القاعدة» والتبليغ عن مجموعات أخرى، صار جديراً بفترات سماح في الحكم الاستبدادي تصل الى نصف القرن، بل أصبح قادراً على قتل الناس دون أن تتعرض الوحدات العسكرية المتبقية تحت إمرته، الى حظر طيران أو الى قصف. والشاويش عطية في اليمن، لا ينكر فضل الأميركيين، فتراه يطلب حضور السفير الأميركي للوقوف معه في الحوار الداخلي. فلو فعلها واحد من جماعتنا، على ضعف حالنا وبؤسه، لانكشف «المستور» في ذات الليلة. إنها مفارقات وتقاطعات! 

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع