ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
كلّ هذا الهول
01/04/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم: وليد ابو بكر

كنت أقرأ ملخصاً لجلسات التحقيق الطويلة مع حبيب العادلي، آخر وزير للداخلية في العهد المصري الذي انتهى بثورة الشباب، فتذكرت غيره ممن حكموا وتحكّموا ثمّ جاءهم بعد ذلك وقت يفضفضون فيه، ويصفون حجم الخوف الذي حملوه في داخلهم، حين كانوا فوق سدة الحكم.
كان علي صالح السعدي، أحد من حكموا العراق في فترة 'النهوض الثوريّ' الذي توهّمه جيلنا نهوضاً حقيقياً، والذي انتهى بما سمّي الوحدة الثلاثية 'المدروسة!'، التي حاولت أن تعوّض الانفصال الذي وقع للجمهورية العربية المتحدة قبل ذلك بسنوات، وكانت تلك التجربة آخر محاولة وحدوية جادة، (بتقييم النيّات حينئذ)، ولم يبق منها سوى ذكريات غائمة، وثلاثة نجوم في بعض الأعلام العربية.
السعدي، الذي أشار إليه الصديق فاروق وادي في إحدى دفاتره، دون أن يذكر اسمه، كان يجلس، بعد أن تقاعد من 'العمل الثوري' بانقلاب ضدّه، مع عدد من الثوريين المتقاعدين، في مقهى الدولشا فيتا أمام الروشة في بيروت، يشرب قهوته ويتحدّث. أبرز ما سمع منه، قبل الزمن الذي فرّق الجميع (بسبب حرب لبنان منتصف السبعينيات) من مقهى 'الثوار المتقاعدين'، كما كان يحلو لنا أن نسميه، هو القول الذي صار مثلاً بين من سمعوه منه أو عنه: لو عرف الناس حجم الخوف الذي 'يركب' من يجلس على مقعد السلطة، لما خافوا من أي حاكم!.
تذكّرت ذلك، وأنا أقرأ صورة عن 'الهول' الذي عبّر عنه حبيب العادلي، ممثلاً لكل أدوات القمع التي جنّدها النظام المصري المخلوع، من أجل تطويع الناس، عقوداً عدة. كدت أشعر معه بالخوف ـ وأنا من الشعب بحمد الله ـ من صورة الهول التي أتقن الوزير الذي كان جباراً، أن يوصلها إلى من يحقّق معه، وهو يحاول تفسير الأسباب التي جعلت أدوات القمع تلك ـ التي كانت تسمى أجهزة أمن ـ تترك مواقعها وتهرب، وتكاد تتخفى وهي تخلع الملابس الرسمية، لتحتمي بالناس العزل، الذين جاءت تخيفهم، حتى لا تقع تحت عقابهم.
وصف العادلي موجات المتظاهرين المتتابعة بشكل يوحي بنوع من التسونامي البشريّ، الذي لا يستطيع أحد أن يوقف زحفه، أو أن يقف في وجه هذا الزحف. كانت الموجات تعلو وتتضاعف، وتصبّ في المركز من كلّ اتجاه، فتجبر كل مناهضيها على البحث عن عاصم، من حدث لم يكن يخطر بباله قط، رغم أن من يناهضها جهاز تعوّد ـ من أكبر رأس فيه، حتى أصغر نفر ـ أن يتعامل مع الناس بعنجهية يرى من خلالها أن عليهم أن يقبَلوا ما يصدر عنه دون نقاش، وأن يقبّلوا أياديه، حتى وهي تمتدّ كي تضرب رؤوسهم.
كنت أشعر بأن الرعب يمكن أن 'يلمس باليد' في كلمات الوزير الذي زرع الرعب في قلوب الناس سنوات طويلة، بطريقة حرمت عليهم مجرد الشكوى، وحين رأى أنهم اشتكوا، نزل إليهم بكلّ قوته، وثقته بأدواته، وفي نيته أن يمسحهم سريعاً، لئلا يعود أحد إلى التفكير بأن يرفع رأسه إلى الأبد، على أسياده، الذين سوف 'يضربونه بالجزمة'، على حدّ تعبير أحد أتباع الوزير، حتى بعد أن بات في سجنه مرعوباً مما يرى، ومما فعلت يداه، لأن السياسة الواثقة التي اتبعها، وسياسة من سيّدوه، أو سوّدوا قلبه على الناس، لا يسهل أن تقتلع من نفوس الذين تعوّدوا عليها، بين يوم وليلة.
من يقرأ ما أوردته الصحف من أقوال الوزير المعتقل في التحقيق، قد يتماهى معه في هذا الخوف، لكنه سيدرك في النهاية أنها أقوال تستحقّ أن تبقى، وأن تنشر بالتفصيل الشامل، والوصف الدقيق لحالة الوزير المرعب وهو يرويها ويرتعب، وسوف يتمنى أن تكون هناك تسجيلات بالصوت والصورة لهذا التحقيق، تبث عبر كلّ وسيلة، وتقدّم كهدايا لجميع الحكام الذين يظنون أن بإمكانهم أن يستخفوا بالشعوب، وأن يفلتوا.
هذه الأقوال، ستكون وثائق 'تربوية' ثمينة، بعد أن ينتهي منها القضاء، يستفيد الحكام من دراستها بدقة، حتى لا يعودوا إلى التفكير بأن الناس يمكن أن يحكموا بالحديد والنار، وبالأقارب المتحكمين والأحزاب المتغوّلة، ووسائل القمع الذي لا تقف عند حدود. كما يستفيد منها الناس، وهم يدركون أن الذي يخيفهم يكون خائفاً أكثر منهم.
لقد أثبتت التجربة بما لا يدع مجالاً للشكّ أمام أي عاقل في أن الشعوب حتى تعرف الطريق إلى حريتها، لا تعرف إلا الخوف على هذه الحرية، والتضحية من أجل أن تبقى، ولا تعرف الخوف ممن يمنعونها.
 
وليد ابو بكر

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع