ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
مسؤولية مصر الكبرى
31/03/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم: مأمون سويدان

مشاعر مختلطة تسيطر على الناس في العالم العربي تتراوح ما بين التفاؤل والتشاؤم بفعل ما يشهده من حراك جماهيري واسع وصاخب سالت فيه دماء غزيرة بحثاً عن حرية مفقودة وعدالة اجتماعية غائبة. اختلف المحللون وتباينت آراؤهم في قراءة وتقييم المشهد السياسي العام في العالم العربي، فمنهم من اعتبر أن لكل مجتمع عربي خواصه التي يختلف فيها عن الآخر، ومنهم من دحض ذلك مشيراً إلى الخواص والمكونات المشتركة للمجتمعات العربية.
إن مجرد النظر إلى السرعة والكيفية التي انتشر فيها الحراك الجماهيري العربي وما ميزها من وحدة الشعارات والمطالب والأهداف يبرهن على وجود عامل معنوي يجمع بين حالة الحراك الجماهيري العربي من المحيط إلى الخليج ألا وهو الوجدان العربي المشترك الذي ترسخ في الذهنية العربية عبر قرون بفعل وحدة التاريخ والدم واللغة والدين والجغرافيا. لقد تحرك الوجدان العربي الواحد مدفوعاً بالأمل نحو مستقبل أفضل يستعيد فيه المواطن العربي كرامته وعزته ومجده بين الأمم، متحرراًَ من الخوف والفساد والظلم والاستبداد الذي جثم على صدره عقوداً بل قروناً من الزمن تعطلت خلالها قدرة العرب على النمو والتطور والازدهار نتيجة الحكم الرجعي الفاسد.
إن متطلبات وشروط العيش في القرن الواحد والعشرين، حيث الانفجار المعرفي وثورة المعلومات والاتصالات وتشكل منظومة جديدة للعلاقات الدولية تقوم على أساس التكتلات السياسية والاقتصادية التي تراعي مصالح الشعوب ومستقبلها، فرضت نفسها على الإنسان العربي وحفزته على صنع التغيير لينطلق نحو أفق جديد يوفر له فرص التقدم والتنمية والازدهار واللحاق بركب الأمم التي لا تزيد عنه شأناً، بل العكس، فالعرب يمتلكون كل عناصر ومقومات النجاح والتطور التي تؤهلهم للوصول إلى مراتب الدول المتقدمة ليصبحوا قوة فاعلة ومؤثرة في مجرى العلاقات الدولية الحديثة.
لقد استجابت الأنظمة السياسية لدول الخليج العربي للتحديات التي فرضها الحراك الجماهيري العربي بطريقة تعكس تفكيراً حدسياً غير واعٍ ولا مدروس، متجاهلة وحدة الوجدان العربي كمحرك وباعث أساسي للحراك الجماهيري العربي، فوجدنا أنها لجأت إلى تقديم إغراءات مادية لمواطنيها بغية تخفيف حالة الاحتقان السائدة هناك غير مكترثة بما يجري في اليمن الجار العربي الأقرب لهم حيث الفقر والجهل والفوضى هناك بما يمثله ذلك من تهديدٍ خطير على أمن واستقرار الخليج العربي برمته، وإذا ما أضيف لذلك التحدي الذي تفرضه إسرائيل وإيران والهند التي تتعاظم قوتها في المحيط الهندي لتصبح بضوء أخضر أميركي شرطي المحيط الهندي، لقد تجاهلت دول الخليج العربي حقيقة أن أمنها واستقرارها لا يأتي من خلال تعزيز رفاهية مواطنيها بمعزل عن فضائها العربي المشترك، وعليه يصبح من واجبها التعاون والتنسيق مع مصر ووضع كامل قدراتها وطاقاتها لصالح أمن واستقرار وتنمية مصر الحاضنة الأساسية للعالم العربي والقادرة على حماية وتحصين الواقع العربي من كل المخاطر والمخاوف التي تحيق به.
لا يختلف اثنان حول حقيقة وجود مخاوف ومحاذير قد تسهم في حرف الأحداث الجارية في العالم العربي عن مسارها المأمول نتيجة التدخلات الخارجية المباشرة وغير المباشرة، وثقل إرث النظام الرسمي الفاسد الذي قضى على الحياة السياسية في العالم العربي وأضعف قدرة مجتمعاته على إنتاج النخب الفكرية والسياسية القادرة على إدارة دفة الأمور بكفاءة وفاعلية وإيصالها إلى بر الأمان. هنا يأتي التعويل الكبير على دور مصر الدولة الكبرى في العالم العربي ومحور ارتكازه، فالنخب المصرية بحكم التجربة أكثر قدرة من غيرها في العالم العربي على تجاوز الأزمة وإدارتها بما يفضى إلى حالة من الثبات والاستقرار تمكنها من رسم مشهدها السياسي بحكمة وعقلانية على نحو يمنحها القدرة على التأثير الإيجابي الحيوي والضروري في المحيط العربي التواق لعودة مصر إلى مكانتها الاستراتيجية التي تستحق.
إن مصر بعمقها الأفريقي والآسيوي والعربي والإسلامي والتاريخي والحضاري والثقافي، وبقوة جيشها وبساطة شعبها ونضوج نخبها السياسية قادرة على أن تكون على مستوى المسؤولية التاريخية الملقاة على كاهلها، وبمستوى الأمنيات والآمال المعلقة عليها، ليصبح من المأمول أن تتدارك النخب المصرية خطورة وأهمية اللحظة التاريخية الراهنة التي فرضها الحراك الجماهيري في العالم العربي وما أفرزه من متغيرات ومستجدات لتسارع إلى ترتيب أوراقها وإعادة صياغة مشهدها السياسي بما يؤهلها سريعاً لالتقاط الفرصة المتاحة والعمل بجدية وفاعلية على إعادة ترتيب الأوراق العربية بمجملها وفق رؤية عربية شاملة للواقع الإقليمي والدولي، لتشكل مصر صمام أمان أمام التهديدات التي تحيق بعالمنا العربي من المحيط إلى الخليج. وفي هذا السياق من المأمول أن تسارع الإدارة المصرية الجديدة إلى إيجاد مخارج لبعض الأزمات العربية الحرجة وعلى رأسها أزمة الانقسام الفلسطيني الذي أضعف القضية الفلسطينية ومكن الاحتلال من الاستفراد بالشعب الفلسطيني والتنكيل به وتمرير مخططاته العدوانية تجاه الشعب الفلسطيني وأرضه، وكذلك لعب دوراً في صياغة المشهد السياسي الليبي بعد التدخل الأجنبي لما تشكله ليبيا من أهمية كبرى للأمن القومي المصري والعربي. ولا يمكن نسيان العراق وما حل به من مصائب وكوارث أدت إلى تمزيق النسيج المجتمعي العراقي وتفتيته وتدمير كامل طاقاته وإمكانياته وعزله عن محيطه العربي، كذلك لا يمكن تجاهل أهمية ما يجري في السودان من ناحية التفتيت المنظم للدولة لصالح خلق كيانات سياسية خارج الفضاء العربي وما يشكله ذلك من تهديد استراتيجي على الأمن القومي المصري والعربي، وأيضا مساعدة اليمن في الخروج من أزمته الحالية في إطار جهد مشترك مع دول مجلس التعاون الخليجي. كما يتطلع المغرب العربي بكياناته السياسية المتعددة إلى جهد وعمل مصري ينهي الخلافات التي طالما فرقتهم وحولتهم إلى خصوم خاصة الجزائر والمغرب.
لقد أضاع النظام الرسمي العربي في صيغته القديمة الكثير من الوقت واستنزف طاقات العرب ومقدراتهم في مجالات لا قيمة لها، بحيث لم يعد بالإمكان إضاعة أي فرصة تفرضها اللحظة التاريخية الراهنة التي تستوجب العمل بجدية لتغيير الواقع العربي وتحسين ظروفه بما ينسجم مع آمال وتطلعات وأحلام العرب في الحرية والعدالة والتنمية، وأيضاً في الوحدة، وهنا تقع مسؤولية مصر الكبرى.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع