ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
رسائل شجر اللوز
30/03/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم: ليانة بدر

في آذار كل عام وحتى إلى ما قبل رحيله، وإن لم يكن وقتها داخل البلاد، كان الشاعر محمود درويش يهاتف الأصدقاء سائلاً عن نوار شجر اللوز. ومن العجيب أنه كان يشد الرحيل عائداً إلى فلسطين كي يلحق ما غاب عنه من اشتعال الزهر على الشجر. وحينما يكون غائباً تحت ضغط الضرورات العملية كنا نبادر إلى إغاظته، على سبيل المزاح، قائلين: اختفى النوار، وانتهى الزهر تماماً، ولم يعد هنالك من أبيض على الإطلاق. ثم نتراجع عن المزاح قائلين: ربما ما زال على الشجر بقايا من عطر الربيع المقبل، ولو أنك حضرت خلال أسبوع على الأكثر لنلت مشاهدة بعضها قبل أن تبددها الريح ذروراً من فرح زهريّ الملمس. وكان يحضر حينها دوماً، ويتواجد كي يبادر إلى مراقبة ما تبقيه منها الرياح التي تهجم مضمخة بالدفء والعبير، وسط مظاهرة بهيجة من العطر والابيضاض.
وأحسب أن ربيع فلسطين لا يوفر علينا جماله، بقدر ما تمنحنا أُمّنا الأرض من صنوف النعم التي لم توهَب بالشكل ذاته لكل شعوب الأرض، وأهمها المدرجات الحجرية التي ترصع روابينا منذ آلاف السنين، والتي حمت الأرض المرتفعة من الانجراف والذوبان، وقدمت لنا ثروةً لا مثيل لفائض الكرم فيها بحيث صار الزيتون أيقونة تحمي وجودنا على هذه الأرض التي أعطتنا العطايا كلها. ولهذا أُصاب بالتعجب كلما طالعت القمامة وعشرات أكياس النايلون التي تُرمى وسط الشجر، وكأن مجرد اقتراح زيارة مواطن لهذه الربوع يعني إعلان الحرب على الأرض التي لا يمكننا استئناف العيش ومواصلته لولا كرمها وحنانها علينا. ولماذا سيكون علينا أن نعتاد أن زيارة عائلة لهاته الأماكن الساحرة تعني تعميم مخلفات البيبسي كولا وأنواع المشروبات الغازية على اختلافها، وأوراق المحارم والطعام، وألمونيوم أغلفة أكياس الطعام المحفوظ، و'الشيبس'.. إلخ. كأن المتعة تقترن بالتملك الأناني للمكان إلى حد إبادته عبر توسيخه ورمي الفضلات والمخلفات فيه. فالزيارة أو التواجد ضمن الطبيعة صارا لا يقترنان إلا بتبديد جمالية المكان ونظافته وإهانة أجدادنا وكل من قضى عمره يقارع الأنواء الصحراوية وعواصف الغبار، وهو يفلح ويزرع الجبال الجرداء حتى أمكنه أن يُحيلها إلى حدائق غناء تقدم هدية الحياة لأحفاده.
أعرف أن خيرات العولمة قد عمّت علينا، وصارت البضائع الصينية الرخيصة تملأ شوارعنا وأماكننا بحيث صار هنالك فائض في الاستهلاك، وأَحَسّ مواطنونا بأن بإمكانهم أن ينضموا إلى مَسرّات بقية مواطني العالم في الإقبال على استهلاك خيرات السوق المعولم من بضائع غير ضرورية يتم اختراعها يومياً لنزف الجيوب، وإقناع الناس بدخول عصر جديد يقدم، ولو بشكل مزيف، مشاعر التنعم ببعض العدالة الاستهلاكية على الأقل.
أعرف كل هذا، لكن حزناً يهاجمني بين حين وحين، وكلما جلست بين أيدي الروابي والجبال لكي أُطلَّ على مفخرة الفلاحة الفلسطينية التي تعادل عجيبة من عجائب العالم حين استطاع المعول بيد الزارع الانتصار على بخل الجبل وجفافه، واستطاع من ثم أن يشيد لنا كل هذه الروعة التي لا تلاقي غير الاستهتار من كثير من المواطنين الذين اعتبروا أن استخدام التكنولوجيا في حياتنا يبيح لنا تدمير العالم من حولنا. وكأنه لا يكفينا جنون المستوطنين وحقدهم على طبيعة بلادنا، ومحاولة تدميرها وراء بيوت مستوطناتهم الإستعمارية البشعة، ومناشيرهم الكهربائية التي تسارع لمسح وقتل شجرات الزيتون عندنا بلمحة عين لكي تنشئ جداراً يقمع الحياة من حولنا.
كلما جلست هنالك كي أنظر وأحس بما يشيعه الربيع حولنا من حبور، وأنا طافحة بالامتنان لأجيال كثيرة سبقت وجودي وقدمت لي كل هذا الجمال، يطحن فؤادي قلقٌ عميقٌ حين أُفكر بأن الأجيال الجديدة قد يأخذها الزهو بأنها قد صار بإمكانها الاستفادة من خيرات مواقع التواصل الإلكتروني في التعبيرعن آرائها، لكنها أبداً لن تستطيع أن تعثر على وطن آخر بهذا الجمال مهما أنشأت صفحات افتراضية على الإنترنت أو في مواقع العالم كلها. وحين ينتهي جيل كامل من المواطنين إلى تجهل ونسيان كاملين للحفاظ على جماليات المكان، ومراعاته، وغرس أشجار جديدة تعوض عما يقتلع فيه يومياً، فلن تفيدهم الأفكار والشعارات شيئاً. ولن يتمكن عندها أحد من ادعاء الوطنية لو تحولت البلاد إلى مجرد بنايات وأبراج وشقق في بنايات متصحرة مكونة من أحجار وإسمنت. ستفنى أرض الوطن ذاتها لو انتهى الجميع إلى الاستهتار بضرورات المكان الزراعي، ولم يحافظوا عليه. ولن يتبقى من ثم إلا معتقل صحراوي شاسع، يتآكله معول هائل يوجه سمومه لتقويض كل شبر من حولنا اسمه الاستيطان. ولا أعرف عندها إن كنا سنستطيع أن نعاود ترداد أبيات الشعر الدرويشي:
كانت تسمى فلسطين.. صارت تسمى فلسطين.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع