ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
نسخة طبق الأصل
30/03/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : د. عبد المجيد سويلم

جاء خطاب الرئيس بشار الأسد مخيّباً للآمال، أقصد آمال الذين راهنوا ، وأنا منهم إلى حدٍّ ما ـ على أن لا يكون الرئيس الأسد نسخةً طبق الأصل عن زملائه من الرؤساء العرب الذين تعرّضوا حتى الآن للمحنة التي يتعرض لها وللمأزق نفسه الذي أوقعوا أنفسهم فيه كما أوقع نفسه به، بالأمس.
إذاً جاء الخطاب فوق المعتاد بقليل وتمت التوقعات بكثير، وظل يحوم في الدائرة الرمادية التي تفصل الخيط الأسود عن الخيط الأبيض باعتبارها المساحة الأكبر لكامل الخطاب.
لا يستطيع أحد من ناحية الشكل المنطقي أن يستنتج شيئاً ملموساً، وفي الوقت نفسه لا يستطيع أن ينفي إمكانية استنتاج هذا الشيء الملموس من دائرة المستقبل ولكن، على أساس المبني للمجهول وليس المبني للمعلوم.
ولهذا فإن الرئيس الأسد هرب من الإجابة عن أسئلة اللحظة وتجاهل استحقاقاتها المباشرة، ولم يلتزم للشعب السوري بأي وعود أو عهود محددة، وأبقى الباب موارباً على الإصلاح من حيث المبدأ فقط، وترك للظروف تحديد ماهية هذا الإصلاح ومدياته في بعده الخاص بالأماكن والمواقع والقطاعات وفي مجالاته المختلفة وفي أبعاده الزمانية، أيضاً. وبهذا يكون الرئيس بشار الأسد قد أوكل لتطورات الأحداث اللاحقة مهمة إدارة الأزمة التي يمرّ بها.
ترى لماذا تأخر الرئيس السوري في الحديث إلى الناس؟ ثم لماذا أعاد وكرر المفاهيم والأفكار نفسها، وأحياناً المفردات نفسها التي كان قد سبقه إليها كل من زين العابدين ومبارك وعلي صالح والقذافي..؟ ثم لماذا هذا التركيز على المؤامرة الخارجية لدى كل هؤلاء الرؤساء؟ ولماذا يعيد الرئيس السوري تجربة جُرّبت ولم يثبت نجاحها؟
أغلب الظنّ أن جذر هذا السلوك في الحالة العربية هو جذر واحد، وأغلب الظن أن 'منهج' المعالجة بالتالي يصبح واحداً بالضرورة.
لا فروقات جوهرية بين خطاب الرئيس الأسد وخطاب النظام العربي الذي انهار والذي هو في طريقه إلى ذلك، وكل فروقات في هذه القضية أو تلك ليست إلاّ التعبير عن بعض الخصوصيات الثانوية والمحلية الطابع على الأغلب.
التأخّر والانتظار أمرٌ يفسّره التردد والخوف ومجموعات الضغط والمعارضة ـ معارضة الإقدام على الإصلاح ـ وهو أمر مشترك في كل الحالة العربية. أجهزة الأمن والقيادات الحزبية النافذة وأصحاب المصالح الكبيرة الذين يحصلون على ثرواتهم الهائلة عَبر قنوات الفساد والمحسوبية والرشوة وعَبر الصفقات المشبوهة، والتي تقدر عادة بالمليارات وليس بالملايين، وأصحاب القرار والنفوذ في مؤسسات الدولة، ورجال الأعمال الفاسدين والمفسِدين والمفسَدين، و'الشبكات العنكبوتية' الفاسدة، التي تتغلغل في تلابيب الحياة الاقتصادية والاجتماعية لا تريد أي إصلاح من أي نوع كان، لأن هذا الإصلاح ـ برأيهم ـ سيقود حتماً إلى التغيير، وان هذا التغيير سيقود حتماً إلى كشف ما افتُضحَ من مهازلهم أولاً، ثم الخفايا الحقيقية لأفعالهم الشائنة والجرائم التي ارتكبوها والنهب الذي مارسوه وربما وقوفهم وراء كل ما بقي غامضاً في المشهد العربي حتى الآن تالياً.
إنهم ببساطة يرتعدون خوفاً من المحاكمات ومن الاتهامات ومن أن تأخذ العدالة مجراها في عموم هذا الوطن الكبير، وليس بيدهم ـ أمام هذا الواقع ـ غير سلاح المؤامرة الخارجية.
والمؤامرة الخارجية هنا، تعني الارتباط بإسرائيل وأميركا، وأحياناً جهات غير محددة ولكنها غربية على الأغلب، ثم يمكن لها أن تعني حركات سياسية عربية أو إسلامية، كما بالاستطاعة وصفها بالخارجية بما لا يتجاوز دول الجوار، وهي دائماً جهات 'كلية القدرة'، فهي تخطط وتنظم وتنسق وتموّل وتسلح وباستطاعتها إخراج مئات الألوف، وأحياناً الملايين، وعندما تكون في أشد حالاتها ضعفاً فإنها لا تقوى على إخراج أكثر من بضع عشرات من الألوف في مدن عربية وبلدات عربية هي أصلاً لا تزيد بعدد سكانها على هذه الأرقام بكثير.
ولكي يستعين النظام العربي المتداعي بالأدوات 'الناجعة' فلا بد أن يستدعي 'الجماهير' التي ستخرج حتماً عن طيب خاطر وبكامل إرادتها طبعاً، للتعبير عن دعمها للنظام والرئيس وأن تهتف بالروح وبالدم دفاعاً عن 'البلد' في وجه المؤامرة.
والمؤامرة طبعاً، تستهدف 'القرار الوطني' أو الصمود وربما 'المقاومة'، وأحياناً تستهدف حالة 'الاستقرار والسلم الأهلي، وأما الطائفية فهي حاضرة بقوة على مائدة هذه المؤامرة.
إذاً الاختلاف ليس على 'حتمية المؤامرة الخارجية'، وإنما على ارتباطاتها وغاياتها، وأحياناً أدواتها ووسائلها. أما الناس الذين خرجوا إلى الشوارع العربية فهم حفنة أو عدة حفنات من المُضلّلين أو التائهين أو المهووسين، ثم ما لبثوا أن يتموّلوا ـ بقدرة قادر ـ إلى آلاف وعشرات آلاف ومئات آلاف وملايين. ثم لماذا يقدّم الرؤساء العرب كل هذه التنازلات ـ بصورة متأخّرة دائماً ـ ولماذا يبدون الاستعداد الكامل للتجاوب مع المطالب الشعبية ـ نظرياً على الأقل ـ طالما أن هذه المطالب هي لمثل هؤلاء العملاء والطائفيين والمندسّين والمهلوسين؟، ثم لماذا هذا الخوف وهذا التردّد وهذا الهلع من الفضائيات ووسائل الإعلام إذا كانت مجرد فتنة طغت على الإصلاح وتسيّدت على الحاجات اليومية.
الرئيس السابق مبارك قال: 'إن الشباب هم أشرف ما أنتجت مصر'، ثم قال الرئيس علي صالح: 'إن مطالب الشباب محقة وهو شخصياً معها'، والرئيس زين العابدين زار أهالي الشهداء والجرحى، ووحده القذافي الذي وعد بقتلهم وإبادتهم. أما الرئيس الأسد فقد أنصفهم عندما قال: 'إنه لا يستطيع أن يعتبر كل من خرج في التظاهرات مندسّاً'، ويقصد هنا طبعاً، أن هناك البعض منهم ـ قلّة قليلة ـ ربما لا تكون مرتبطة بالمؤامرة والفتنة الطائفية أو هي ليست جزءاً من هذه المؤامرة بالضرورة.
خطاب بائس ويائس هذا الخطاب العربي. إنه خطاب الذي فقد القدرة على مواجهة الحقائق ولم يعد باستطاعته استقراء ملامح المرحلة القادمة إلا من زاوية المراوغات والالتفافات والهروب إلى الأمام، واتباع كل الوسائل واستحضار كل الممكنات والمستحيلات بهدف واحد ووحيد وهو معاندة التاريخ ومعاندة الواقع والاصرار على تكبيد البلاد أفدح الخسائر قبل أن تدق ساعة التغيير على امتداد هذا الوطن الكبير.
لم يفهم النظام العربي بعد، أنّ ساعة الثورات الاجتماعية تدق فقط، عندما لا تستطيع الطبقات الحاكمة أن تحكم بالطرق والوسائل نفسها، التي كانت تَحْكُمُ بها. وعندما لا تقبل الطبقات المحكومة أن تظل محكومة بالطرق والوسائل نفسها، التي كانت تُحْكَمُ بها. ولو نظر النظام العربي إلى نفسه في المرآة لما وجد من حوله غير هذا الواقع.
فهل تنفع يا ترى لغة الخطاب الذي سمعناها، بالأمس، واستمعنا لها على مدى الشهور الماضية؟ وهل بالإمكان الهروب من مواجهة الواقع عَبر 'المؤامرة الخارجية'، و'حفنة المندسّين'، و'تحريض الفضائيات'، أم أن هذا الهروب هو مقتل لكل أملٍ، وهو النهاية الحتمية إلى الهروب الأكبر؟
الشيء الوحيد الذي أفصح عنه الأسد، رغم أنه حاول التستّر عليه هو أنه مستعدٌّ فقط للانتقال التدريجي البطيء من دائرة التحكم المباشر إلى دائرة توجيه الدفة ولو بعد عمرٍ طويل.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع