ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
الثورة العربية.. مؤامرة على 'نظرية المؤامرة'!
29/03/2011 [ 21:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : هاني حبيب

نجحت الأنظمة العربية، على مدار العقود الماضية في إقناع شعوبها من أن القضية الفلسطينية، تقف عائقاً أمام تقدمها وتخلّف اقتصادها وبطالة عمالها وموظفيها وفقرها وتراجعها، كانت دائماً هناك 'اقتصادات حرب' وكل شيء من أجل المعركة، وقوانين طوارئ لمواجهة أعمال التجسس والتخريب، استعداداً للمعركة الفاصلة مع الاحتلال الإسرائيلي، لقد سوّقت هذه الأنظمة أشرف قضية قومية لصالح استبدادها واستقرار سطوتها وسيطرتها على شعوبها تحت شعارات وطنية وقومية استغلت الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين لصالح المزيد من الإفقار والتخلّف، وحتى بعد أن قامت إسرائيل باحتلال أراضِ عربية، لم تتورّع هذه الأنظمة عن الاستمرار في ذات الشعارات، من دون أن تعيد تقييم أدائها وتجربتها، ولم تنفكّ تستخدم ذات الشعارات والسياسات رغم تراجع اقتناع الشعوب العربية بها.
ولعلّ هذه الموجة الواسعة من الحراك الشعبي العربي الممتد على طول وعرض الخارطة يعود في أحد أسبابه إلى شكل من أشكال 'الثأر' من طول فترة الخداع التي استمرت طوال عقود طويلة، بررت فيها الأنظمة استبدادها، بشعاراتها القومية لنصرة شعب فلسطين وطرد الاحتلال الإسرائيلي، فالثورة العربية التي نشهدها هذه الأيام، هي ثورة ضد من صادر العقل العربي، وثورة ضد أنظمة الخداع والتضليل، وهي تعبير عن صحوة العقل العربي بعد أن استلبته أنظمة الاستبداد طوال عقود طويلة من الظلم والقهر والتخلّف، ثورة تجاوزت الاصلاح إلى التغيير، ومن النظام الشمولي إلى الديمقراطية، ثورة للاطاحة بكل الأسباب التي كانت وراء استقرار أنظمة الحكم المستبدة، هي ثورة بدأت، ولم تنته بعد، إلاّ أن مقدماتها تشير بوضوح إلى أن ما قبل اندلاعها، هو بالتأكيد غير ما بعدها، وما يمكن أن نشهده من تاثيرات سلبية جانبية، ما هي إلاّ عوارض تصاحب كافة الثورات المنتصرة، وهي بدورها، تستغل ضد الثورة من قبل أنظمة الحكم في محاولة للبقاء والاستمرار، وتضخّمها في محاولة منها للتأثير على انتفاضة الشعب وثورته.
وإذ تدرك أنظمة الاستبداد العربي، أن المتاجرة بالقضية القومية، قضية فلسطين، والتلطّي وراءها لتبرير قمعها واستبدادها، لم تعد صالحة بعد صحوة العقل العربي، فإنها لجأت إلى إنعاش 'نظرية المؤامرة' في مواجهة 'نظرية الثورة' فبالنسبة لهذه الأنظمة، فقد نجحت في تدجين شعوبها حتى باتت هذه الشعوب لا تقوى على الوقوف في وجهها، إنها شعوب استبد بها القهر والتخلّف حتى باتت معصومة عن الثورة، وما تشهده الساحات العربية الآن، ما هو إلاّ ترجمة لمؤامرة كبرى صاغتها وكالات الاستخبارات الأجنبية، ومن دون شك أن إسرائيل تقف من خلفها وخطّطت لها، وبالتالي، فإن نتائج هذا الحراك، تصبّ في خانة المصالح الأجنبية والإسرائيلية تحديداً، وقد تعترف هذه الأنظمة، بأن هناك مجالات لتقصيرها، غير أن معالجة ذلك، يتطلب الاصلاح والإبقاء على الأنظمة، وليس الثورة ضدها، لأن ذلك يخدم العدو ليس إلاّ!
وسائل إعلام هذه الأنظمة، سارعت إلى تلفيق وثائق و'معلومات' تشير إلى أن أصابع أجنبية، أميركية وإسرائيلية تحديداً، وراء هذا الانفجار الشعبي العربي، فما حدث كان مدبراً، وهناك غرف عمليات تنسق فيما بينها في العواصم الغربية، لتنفيذ خطط التآمر على الأنظمة التي صمدت في وجه المصالح الأجنبية(!) وكل ذلك، لترجمة المقولات السابقة حول 'الشرق الأوسط الجديد' و'الفوضى الخلاّقة' مستغلة بعض التقصيرات في بضعة مجالات، لإشعال نار الفتنة والتمرد، وتطلع بعض القيادات المعارضة إلى الحكم.
هذه النظرية، تفترض أن الشعوب لا تصحو من غفلتها، وأن عقوداً من القمع والإفقار والتخلّف، كفيلة باستلاب هذه الشعوب حتى قيام الساعة، وأن خداعها المستمر طوال تلك الحقبات من الزمن كافية لتدجين المحكومين، وأن قوى القمع البوليسي والسجون والمعتقلات والإبادة، كلها عناصر تتوفر لديها لكبح أي إمكانية لنهوض الشعب من غفوته، وإذا ما حاول هذا الشعب استنهاض قواه، هناك نظريات جاهزة، ومن أهمها نظرية المؤامرة، حيث يصبح الشعب متهماً بالتواطؤ مع العدو، وفي أفضل الأحوال، هو متهم بالاندفاع وراء خطط الأجانب وخدمة مصالحهم، الأمر الذي يبرر للسلطات البوليسية استخدام كل أدوات القمع والقتل ضد هؤلاء الثوار المتمردين، وقد رأينا ذلك يحدث في كل الثورات التي نجحت والثورات التي مآلها إلى النجاح، في مشرق الخارطة العربية ومغربها.
وقد يصل الأمر، في ظل نظرية المؤامرة، اتهام إخوة عرب بالتآمر، وليس فقط اتهام قوى ودول خارجية وأجنبية، فالنظام العربي الموحد في القمع، ممزق في السياسات والمصالح، ما يتيح كيل الاتهامات هنا وهناك، ورأينا كيف تم الزجّ باللاجئين الفلسطينيين في سورية قبل أيام، في أعمال الثورة السورية، وكأن الشعب السوري الشقيق، لا يمتلك طاقة الثورة إلا بتحفيز من آخرين، وهم الفلسطينيون في هذا السياق.
نظرية المؤامرة، هي دليل على تخلّف العقل الذي يتبناها، ليس فقط كونها الطريقة الأسهل لتبرير التصرفات والسلوك، والتخلي عن المنطق والعقل، ولكن لأنها تستوجب مصادرة أدوات التفكير والتوثيق وافتراض غباء وجهل الشعوب بما يجري في بلادهم، كما أنها تشير بطريق غير مباشر، وكأن هذه الأنظمة لم تكن صنيعة، أو على الأقل خادمة لمخططات الأجانب، وما وقوف بعض القوى الدولية لمساندة هذه الثورة أو تلك، إلاّ لأن هذه الأنظمة قد استنفدت قدرتها على التجاوب مع متطلبات الشروط الجديدة في عصر العولمة.
وباعتقادي أن إحدى أهم نتائج الحراك الثوري العربي، عدا نضج العقل وتمرده على مفاهيم الخضوع والاستلاب، أن نظرية المؤامرة، لم تعد تقنع أحداً، وان استمرار الترويج لها من قبل الأنظمة، يعود إلى خوائها وانتهاء صلاحيتها.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع