ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
استبداد النظام العربي: عصر من التشويش الإعلامي!
26/03/2011 [ 22:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : هاني حبيب

بالأمس فقط، السبت 26/3/2011، أوقفت هيئة الإذاعة البريطانية القسم الروسي عن البث بعد أن استمر 65 عاماً بالضبط، لعب فيها هذا القسم دوراً إعلامياً نشطاً في الحرب النفسية التي شنها التحالف الغربي على المنظومة الاشتراكية وأسهم في تحريض شعوبها على حكامها، ولعب دوراً مهماً في الإطاحة بالنظام الاشتراكي في نهاية الأمر، وكجزء من منظومة إعلامية غربية، قادتها الإذاعات بشكل رئيسي أثناء الحرب الباردة، خاصة إذاعة أوروبا رقم (1) الموجهة بكافة لغات دول المنظومة الاشتراكية.. ما يعنينا في هذا السياق، أن هذه الحرب الإعلامية ـ النفسية، أسهمت في تطوير وسائل الاتصال عبر القارات، لكنها في الوقت ذاته، أسهمت في اختراع أجهزة التشويش على البث. وكلما تطور جانب تقنيات البث، تطورت وسائل التشويش عليه.
في منطقتنا العربية، جرت عمليات التشويش الإذاعي لفترات طويلة، فقد استخدمت مصر التشويش الإذاعي على راديو 'هنا إسرائيل' أو 'دار الإذاعة الإسرائيلية' طوال سنوات، كما تم التشويش، أيضاً، على إذاعة 'هنا لندن' بالعربية لعدة سنوات، فقد استخدمت إسرائيل إذاعتها إضافة إلى التحريض، للاتصال بعملائها العرب من خلال شيفرات إذاعية، أما بالنسبة لإذاعة 'هنا لندن' هيئة الإذاعة البريطانية، فكان التشويش يستهدف رسالة هذه الإذاعة التي اعتبرتها بعض الأنظمة معادية وانها تكشف ما لا يرغب الحكام بكشفه، لكن ذلك كله أسهم في شعبية الإذاعات المشوش عليها من قبل المستمعين العرب!
لكننا الآن نعيش في عالم مختلف، أزاحت فيه القنوات الفضائية، والشبكة العنكبوتية 'النت' الإذاعة ووسائل الإعلام التقليدية إلى الوراء، ورغم هذا التطور، ظل 'التشويش' على الرسائل الإعلامية قائماً، وجزءاً من الحياة في العلاقات بين الدول، وبين الدولة ومحكوميها، وتزاوج التشويش مع قطع البث الإلكتروني، وقبل سنوات قليلة كان يُقال إن العالم بات قرية صغيرة، واليوم نقول، إن العالم كله أصبح بحجم الكف أو الاصبع، بعد تطور تقنيات الهاتف المحمول 'الجوال' الذي بات يلتقط الفضائيات كما يلتقط شبكة 'النت'، وبالتوازي، ظل القطع المقصود، والتشويش، والقرصنة وحرب الفيروسات الإلكترونية.
وإذ كنا نسمع عن صواريخ مضادة للصواريخ، و'القبة الحديدية' لدرء القذائف الصاروخية، باتت وسائل التشويش المختلفة، جزءاً من العلاقات الدولية، في السلم والحرب، مع فارق مهم، مقارنة مع أجيال الاتصال السابقة، وهو أنه أصبح بالإمكان في حالات التشويش، والقطع، اللجوء إلى منافذ اتصالية أخرى، فهناك العديد من القنوات الفضائية، كما أن هناك وسائل لاختراق وسائل القطع المتعمد فيما يتعلق بشبكة 'النت' بالرغم من الجهة التي قامت بالتشويش والقطع، فإذا تم التشويش على قناة ما، يمكن للمتابع اللجوء إلى قنوات بديلة عديدة، تغنيه ولو مؤقتاً عن قنواته المفضلة.
وقبل حرب التشويش على الفضائيات العربية التي نشهدها الآن على وقع الحراك الشعبي العربي الذي طال المنطقة كلها، كانت هناك استخدامات متكررة للتشويش على قنوات عديدة، إما لأسباب تتعلق بقنوات التحريض الديني الطائفي، أو ضد قنوات السحر والشعوذة، وحتى الرياضية، وتعددت أسباب التشويش والإغلاق المفترضة، لكن ظلت عملية التشويش قائمة، حتى اشتدت وبشكل قياسي في الحرب الباردة بين الشعوب العربية وأنظمة الحكم، وكما أن هناك اصطفافات واستقطابات بين شرائح وأطياف في المجتمعات العربية إزاء الحراك الشعبي، هناك، أيضاً، اصطفافات 'فضائية' تعبر عن مواقف الأطراف المختلفة ومصالحها، ويتعلق الأمر هنا، إما بتجاهل حدث، أو عدم تغطيته بشكل كاف، أو تغطيته بشكل ينتقص منه، فكما هناك جمهور منتفع من استمرار نظام ما، هناك أدواته، داخل الدولة وخارجها، من وسائل اتصال تدعمه في الحرب على شعبه، وبالمقابل هناك من الفضائيات التي تزيد من الجرعة الاتصالية، بالتركيز على حدث معين أكثر مما يجب، وما يستتبعه ذلك، من تجاهل حدث ربما أكثر بروزاً وأهمية، وقد يصبح الأمر مرتبطاً بالتحريض أكثر من أن يكون مجرد تغطية إعلامية في الكثير من الأحيان.
ولا أعتقد أنه من قبيل الصدفة، أن التحركات الشعبية في سلطنة عُمان، والبحرين، وشرق السعودية، مثلاً، لا نجد لها تغطية كافية في الفضائيات العربية، بل نستقي أحداثها من قبل قنوات إخبارية دولية باللغة العربية، كما ليس من قبيل الصدفة تجاهل الحراك الشعبي في سورية، إلا بعد سقوط عدد كبير من الضحايا، بحيث فرض الحدث نفسه على الفضائيات رغماً عنها، وكذلك تجاهل معظم هذه الفضائيات الحراك الشبابي الفلسطيني لإنهاء الانقسام في الخامس عشر من آذار الجاري!
وقد يقول البعض أن اكتشاف وسائل التشويش، والوسائل المضادة لها، هو جزء من اللعبة السياسية ـ الإعلامية، هذا صحيح، ولكن يمكن القول إن اللجوء إلى هذا الخيار، يعكس هشاشة النظام الاستبدادي العربي، وتخلفه وتعلقه بالماضي على كافة المستويات، إذ إن هذا الأسلوب، لم يعد ينفع أو يؤجل المصير المحتوم لكل حاكم استبد بشعبه واستمرأ خيانته واستعباده، فعمليات التشويش المتلاحقة والمستمرة حتى اليوم، لم تفلح في التغطية على الحقائق، كما لم تفلح في إنقاذ أي مستبد، قد تؤجل من انهياره أياماً، لكنها لن تنقذه من المصير المحتوم.
إلا أن الاصطفاف الشعبي مع الحراك الثوري في المنطقة العربية، ووقوفه من خلفها ودعمها، يخلق بالضرورة اصطفافاً جديداً إزاء كافة وسائل الإعلام، وخاصة طريقة تغطية كل فضائية لهذا الحراك، موقف المتلقي العربي قبل هذا الحراك، لم يعد كما كان قبله، وأصبح يحدد خياراته في التلقي وفقاً لمواقف هذه الوسائل من الأحداث، ونتيجة لتوفر البدائل العديدة، فإن قناة فضائية بعينها لم تعد تملك الحق في تسيير الرأي العام وفقاً لمواقفها أو مواقف من هم من خلفها، وقد تزعزعت ثقة الشعوب بالحكام، بالضبط كما تزعزعت إزاء بعض الفضائيات!

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع