ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
ميشيل لسنوات الزهو
24/03/2011 [ 22:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : حسن البطل

على بوابة المبنى (4 شارع تشرشل - أيوس ذيمتيوس – نيقوسيا) وقف ميشيل النمري معنا وقفة اخيرة. طالما حييت لن أنسى، قط، وقفته، لأنه رفع رأسه، ومنحني ابتسامة فاترة اخرى. أحس، الآن، انها كانت أعمق من ابتساماته البيروتية.

من رأى ميشيل غاضباً فليرفع يده. أنا ما رأيته الا ضاحكا بفتور، او حزيناً.. وفي الحالتين يكون جميلاً وأجمل.

في تلك الوقفة قلت له: 'حاذر يا ميشيل.. أنت تلعب بدمك'. أقل [#/V#]من شهر بعد ذلك، واطلقوا الرصاص على رأسه الجميل وقلبه الجيّاش. وهكذا، حصل أن مطار اثينا قد يوزعنا على المطارات.. أو مقابر الشهداء.

جاءنا ميشيل الى 'فلسطين الثورة' صحافياً 'مطبوخاً' تماماً. لأسابيع انهمك في تعزيز بحثه في قراءة 'الاقتصاد السياسي' للأردن للعدد السنوي. جداول احصائية يختبرها على 'كالكوليتر'. أخذه بحثه تماماً.. حتى عن حلاقة ذقنه. لسبب سياسي 'تكتيكي – تعبوي' يتعلق بتقلبات العلاقة الاردنية - الفلسطينية اواسط السبعينيات.. أهملوا نشر بحثه المحرج!.

ميشيل أهملنا، بدوره.. وبكل بساطة ذهب يشق لأجنحته الصحافية مجالات أرحب. دائماً كان رائداً يتقدم. سنوات قليلة، حتى زارني ببيروت مع رفيقة حبّه ومهنته المصورة الايطاليه كارلا، وفي يديه ما يستحق الزهو حقاً.

المحرر الذي لا تحتمل ألمعيته ضرورات المرحلة 'الاعلامية الثورية' صار رئيس تحرير مجلة 'الموقف العربي' الصادرة من قبرص بتمويل ليبي؟.. وأي مطبوعة قشيبة جدا هذه؟ تعاون مع جموح مخرجه الفني نبيل بقيلي، فأصدر أفخم مجلة عربية حتى حينه: مجلة سياسية جدا، ولكنها اقتصادية جدا، وترويحية جدا. هذه 'الفورمولا' كانت برهانه على ضيق أفقنا السياسي.. والجمالي.. والمهني ايضاً.

كان يسبقنا دائما، فعندما لحقنا به الى قبرص، كان قد ترك لنا الجزيرة كلها، وترك المجلة التي إنْ اعطته ملعبا فنيا، فقد حاولت ان تكبله سياسيا. وميشيل خُلق ثورياً.. وثورياً هادئاً جداً.

الانقلاب الثالث قاده ميشيل ايضاً.. وضد ميشيل. فجأة، زهد بمزاوجة السياسة الملتزمة بالصدقية المهنية، ومزاوجتهما معاً بالجمال. هكذا، عاد الى 'الجملة الوثائقية' السياسية.. رئيسا لتحرير 'النشرة' الصادرة من أثينا بلون واحد.. أخضر باهت، وعلى صفحاتها كل عذابات الانسان العربي من انتهاكات حقوقه.

كسر ميشيل كثيرا من الزجاج العربي؛ كثيراً من المرايا المحدبة والمقعرة.. كثيرا جدا من الاكاذيب المسكوت عليها بابتسامة قومية مجاملة.

لم يشهد حصارنا في بيروت. ذهب الى قبرص ليمهد لنا مطابعها لاستقبالنا بعد الخروج من الحصار. ضاق صدراً بجزيرة 'ريفية' اكثر من اللازم.. فذهب الى اثينا ليستقبل بشكل افضل 'أنّات' الانسان العربي من المغرب الى العراق.. ويبثها بصوت صارخ و'محدود التداول'.

'محدود التداول' تعني ان تتخاطفها الايدي عبر الحدود. كانت مطبوعته نصف الشهرية لسان حال مركزي - تقريباً- لمنظمات حقوق الانسان العربية، وللأحزاب العربية المقموعة، ولمناضلي الاحزاب المقموعين خلف جدران السجون.

طالما سألته: هل تحب كارلا يا ميشيل، فالتفت اليها ضاحكا، واقتبس من ضحكتها ضحكة أعرض وأعمق. قصة زمالة في اطار قصة حب، في اطار رفقة نضال.. فلماذا وجع الحلم في اطار زواج.

للحق كان جميلاً، حتى انه بسماته الايطالية أجمل من مارسيللو ماستروياني. وكارلا جميلة ايضاً، ربما لأنها لا تضع شيئاً على وجهها الجميل.

للحق، كان يسبقنا.. لأننا عندما صعدنا من الالتزام الى الليبرالية 'ارتدّ' هو من ليبرالية مفرطة الى التزام صارم.. بالوثيقة المهربة عبر السجون، وعبر الحدود.

مع ذلك، لم يخذل الجمال المتقشف، لان الثوري لا يخذل حلمه الجميل. وهكذا، وضع خلفية خضراء باهتة لحروف عذاب سوداء.

تذكرت ميشيل لأنني لا أنساه قط، ثم تذكرته لأن العدد الاول - السنة الثالثة عشرة 1998، من مجلته 'النشرة' في اصدارها من غزة بتحرير الصديق المغدور بدوره خليل الزبن، حمل صورة حنّا مقبل، الأمين العام السابق للاتحاد العام للكتّاب والصحافيين الفلسطينيين، ثم الامين العام لاتحاد الصحافيين العرب.. حتى مصرعه يوم 4/5/1984 في نيقوسيا.

كتبت عن حنّا مقبل، فبعد موته اغتيالاً زارنا ميشيل. وقف أمام مكاتبنا في شمس شتائية كابية. حذرناه. التفت الينا وودعنا بابتسامة فاترة. لماذا لم أره ولو مرة واحدة غاضبا؟ أقالت له 'كارلا' إنها لا تحبه غاضباً؟!.

نشر أول 12-6-1998

 

 

ميشيل لسنوات الزهو

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع