ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
الانقسام الفلسطيني يحتاج إلى أكثر من 'مبادرة'
24/03/2011 [ 22:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: بقلم : رائد لافي

قليلون هم المتفائلون من الشعب الفلسطيني بنجاح ما اصطلح على تسميتها “مبادرة” الرئيس محمود عباس لزيارة قطاع غزة من أجل انهاء الانقسام الداخلي . هذه المبادرة التي [#/V#]جاءت بعد ساعات قليلة من دعوة وجهها رئيس الحكومة المقالة التي تديرها حركة “حماس” إسماعيل هنية للرئيس عباس نفسه إلى “اجتماع فوري هنا في قطاع غزة أو في أي مكان يتم الاتفاق عليه ونشرع في حوار مباشر وحوار وطني شامل ونبحث فيه كل الملفات وما هي المعوقات لتحقيق المصالحة ونترجم نداءات الجماهير، ويمكن أن يكون ذلك باباً لتحقيق المصالحة وعقد مؤتمر وطني شامل يبحث في مستقبل القضية الفلسطينية ويبحث في أوضاع الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج”.

مبادرتا الرئيس عباس وهنية إن صح وصفهما بالمبادرتين- أعقبتا مظاهرات شعبية عارمة شارك فيها مئات آلاف الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة في الخامس عشر من شهر مارس/آذار الجاري، استجابة لدعوات من مجموعات شبابية على مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الانترنت، وحملت شعار “الشعب يريد إنهاء الانقسام”.

بدا واضحاً أن الرئيس عباس التقط دعوة هنية، وأراد أن يلقي الكرة في ملعب “حماس”، بإعلان استعداده لزيارة غزة من أجل إنهاء الانقسام، لكنه لم يشأ أن يعطي حركة “حماس” مساحة في اللعب للمناورة، وضيق عليها المساحة بإعلانه أنه لن يزور غزة من أجل فتح حوار جديد، واشترط موافقة الحركة على تأليف حكومة مستقلين تعمل على الإعداد للانتخابات الرئاسية والتشريعية وانتخابات للمجلس الوطني خلال ستة شهور.

وسعى مقربون من الرئيس عباس في اليوم التالي لخطابه الذي أعلن فيه عن استعداده لزيارة غزة أمام المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية في السادس عشر من الشهر الجاري، إلى إضفاء مزيد من التوضيح على المبادرة، بأن مؤسسة الرئاسة لا تزال تنتظر موافقة رسمية من حركة “حماس” على ما جاء في مبادرة الرئيس عباس، بمعنى أن ترحيب الحركة بالزيارة لم يكن كافياً للسلطة في رام الله، ولا يعكس استعداداً رسمياً من الحركة لإنجاح زيارة الرئيس عباس للقطاع، وعدم تفريغها من مضمونها بالدخول في متاهة للحوار من جديد على قضايا خلافية، لم تفلح مبادرات عربية ومحلية عدة على مدار عامين من الحوار في دفع الجانبين إلى الوصول لاتفاق قواسم مشتركة حول هذه القضايا.

ويدفع التزام حركة “حماس” الصمت إزاء ما تضمنته مبادرة الرئيس عباس، إلى التساؤل المشروع: هل تسرع هنية في إطلاق دعوته، ولم تكن قيادة الحركة خصوصاً في الخارج على علم مسبق بما سيقوله هنية تعقيباً على الحراك الشعبي المنادي بإنهاء الانقسام؟، وأن التزامها الصمت يهدف إلى القفز على مبادرة عباس بزيارة غزة، وهي الزيارة التي سيكون لها ما بعدها من استحقاقات يتوجب على الحركة الالتزام بها، في الوقت الذي لا تبدو معه الحركة في عجلة من أمرها لتنفيذ ذلك، مع رهان تيار في قيادة الحركة على التغييرات التي تشهدها أنظمة عربية في المنطقة، ويراهن على أنها ستصب في صالح الحركة، وستضعف موقف سلطة الرئيس عباس التي تفقد أنظمة عربية حليفة، فضلاً عن كون الحركة غير جاهزة حالياً أو حتى خلال ستة شهور لخوض غمار الانتخابات، لجهة أن ما تعرضت له الحركة من حصار وضغوط تسببت في تدهور الأوضاع المعيشية للفلسطينيين، ربما تؤثر سلباً على آراء الناخبين الذين منحوها أغلبية ساحقة في الانتخابات السابقة مطلع عام 2006.

لا شك أن مبادرة الرئيس عباس ومن قبلها دعوة هنية للقاء، جاءتا كنتيجة للحراك الشعبي الذي قاده الشباب الفلسطيني لإنهاء الانقسام، وكان نابعاً من حرص قطاع الشباب الواعي والوطني على مستقبل القضية الفلسطينية، وإدراكه أن الانقسام ينخر في المشروع الوطني التحرري كما ينخر السوس في الخشب، وأن استمراره سيقضي على ما تبقى في نفوس الفلسطينيين من أمل بالتحرر والانعتاق من الاحتلال.

خوف الشباب الفلسطيني على مستقبل قضيتهم الوطنية، أصابهم - وهم يشاهدون التغيير الذي يقوده نظراؤهم من الشباب في تونس ومصر وغيرهما من الدول العربية التي تشهد حالياً ثورات شعبية، بحالة من “الرومانسية” أنه يمكنهم فعل التغيير نفسه وكما أسقط الشباب التونسي والمصري نظاميهما القمعيين، يستطيع الشباب الفلسطيني الذي قاد الانتفاضتين الأولى والثانية إنهاء الانقسام الداخلي، لكنهم لم يدركوا أن الظروف مختلفة تماماً، وأن شعار “الشعب يريد إنهاء الانقسام” ليس كافياً كي يصطف خلفه الشعب الفلسطيني بكل ألوانه السياسية، كما وحد شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” في مصر وتونس الملايين في مواجهة النظام الحاكم.

وربما أدرك الشباب الفلسطيني أو بعضهم هذه الحقيقة المرة، بعدما تعرض لقمع أجهزة الأمن في غزة والضفة الغربية، ولم يتم السماح للمتظاهرين ضد الانقسام بالاستمرار في الشارع وإعلان الاعتصام المفتوح كما كان مخططاً له لتشكيل قوة ضغط على طرفي الانقسام من أجل الوحدة .

لا تعني هذه الرومانسية التي اتسمت بها دعوات الشباب الفلسطيني للتظاهر ضد الانقسام، أن نبرر الاتهامات لهم من جانب أجهزة الأمن بعدم المسؤولية والتشكيك في نواياهم ومساعيهم، والطعن في وطنيتهم، ولكن ما يجوز قوله أن هذه الدعوات كانت عاطفية أكثر منها دعوات تتضمن آليات تحدد كيفية تحقيق الهدف المعلن.

للمحلل السياسي محمد ياغي وجهة نظر إزاء المقارنة بين ما حدث في الدول العربية وسعي الشباب الفلسطيني لترك بصمة تغيير إيجابي في واقعهم السيئ نتيجة الانقسام، ويرى أنه في مصر وتونس وليبيا كان الشعار هو: اسقاط النظام . . بكلمات بسيطة، قالت جموع الشباب: نريد رحيل النظام، والآلية هي التظاهر السلمي، فقط في ليبيا تحولت التظاهرات السلمية إلى عمل مسلح، عندما استخدم النظام الليبي قوته المسلحة، قام الشباب باستخدام السلاح للدفاع عن أنفسهم وعن مطالبهم . رحيل النظام لم يكن موضع خلاف بين الجمهور نفسه، بل كان محل خلاف بين الشعب الموحد في مطالبه لاسقاط النظام وبين نخب اغتصبت السلطة ودافعت عن مصالحها خلال عقود بقوة الأمن وبدعم حلفاء خارجيين التقت مصالحهم مع مصالح هذه النخب . في الحالة الفلسطينية الانقسام داخل الشعب، لا يوجد لدينا شعب موحد في مواجهة نخب بعينها، بل شعب منقسم على نفسه، جزء منه يدعم السلطة في رام الله، والآخر يدعم السلطة في غزة.

واستناداً لهذه المقارنة، فإن مصدر الرومانسية في دعوة الشباب لإنهاء الانقسام هو في الاعتقاد بأن شعار “الشعب يريد انهاء الانقسام” كاف حتى يصطف الجميع خلفه بغض النظر عن خلفياتهم السياسية أو موقعهم من الانقسام . ربما هذا الشعار كان سيكون كافياً لو أن جماهير “فتح” و”حماس” تشكل نسبة مئوية لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة . لكنهم ليسوا كذلك، لمن نسي، “حماس” و”فتح” فازوا بأكثر من 90 في المئة من مقاعد المجلس التشريعي . صحيح بأن حجم الفصيلين قد يكون اليوم أقل من السابق، لكن دعونا نكن واقعيين أيضاً، لو أن النسبة اختلفت كثيراً عما كانت عليه، لشاهدنا ذلك من خلال صعود لقوة تنظيمات أخرى قديمة أو جديدة، لكننا لم نلاحظ ذلك . البعض قد يدعي بأن هنالك أغلبية صامتة ضد الفصيلين . . لكن هذا ليس أكثر من ادعاء غير مبني على حقائق، عندما تقول استطلاعات الرأي بأن نسبة “كذا” لا تريد المشاركة في التصويت في الانتخابات المقبلة، فهذا لا يترجم على أن قوة “حماس” و”فتح” قد ضعفت، بل على وجود “نسبة” من الفلسطينيين ترفض الإفصاح عن موقفها السياسي حالياً لأسباب عديدة، أحدها قد يكون عدم قناعتها ب”حماس” و”فتح”، لكن ربما أيضاً لأن هذه النسبة تعتقد بأن المناخ السياسي أصبح غير ملائم للتعبير بحرية عن الرأي بفعل حملات الاعتقال وفقدان العمل بسبب الموقف السياسي.

ويقول ياغي لأن الانقسام أفقي، داخل الجمهور، بمعنى ليس بين جماهير ونخبة أو نخب سياسية تحكم، فإن طريق الوحدة مستحيل من دون الاتفاق على برنامج سياسي . عناصر هذا البرنامج يجب أن تجيب عن الأسئلة التي أدت إلى تعميق الانقسام، ولا نقول إلى الأسباب المباشرة التي أدت إليه، وهي أسباب أصبحت معروفة للفلسطينيين، والأسباب التي تغذي الانقسام وتساعد في إطالة عمره واضحة، وبدون برنامج سياسي يتصدى لهذه الأسباب، ويتم التوافق عليه لا يمكن توحيد الشعب الفلسطيني . صياغة هذا البرنامج يجب أن تكون مسؤولية الحركة الشبابية التي تدعو إلى إنهاء الانقسام . الحركة الشبابية يجب أن تسأل نفسها: ما الذي يفرق الفلسطينيين وما الذي يوحدهم . وعليها أن تمتلك الجرأة لطرح الأسئلة الصعبة وعليها أن تجيب عنها أيضاً . هل التنسيق الأمني مصلحة فلسطينية؟ هل الاعتقالات السياسية تؤدي الى الوحدة؟ هل رفض التفاوض كاف لانهاء الاحتلال؟ هل وجود المنظمة بشكلها الحالي عامل تجميع أم تشتيت للفلسطينيين؟ هل يمكن بناء مؤسسات دولة تحت الاحتلال؟ هل يمكن تعزيز وتطوير الاستثمار تحت الاحتلال؟ هل المطلوب اقتصاد مقاوم أم اقتصاد تابع يمنع مقاومة الاحتلال؟ هل يمكن الانتصار على الاحتلال من دون امتلاك الفلسطينيين لحرية التعبير؟ وفوق كل ذلك، ما هي أهداف الشعب الفلسطيني حالياً؟

هذه الأسئلة الصعبة، التي تشكل الإجابة عليها برنامجاً وطنياً يصلح لأن يكون جدار حماية يمنع أي انشقاق أو انقسام في المستقبل، لا يبدو أن الحركتين الكبيرتين تمتلكان الرغبة والإرادة للجلوس معاً والبحث في إجابات وحدوية على هذه التساؤلات في الوقت الحالي، وإعادة تصويب الأوضاع الداخلية وإعادة الروح للعلاقات الوطنية المنهارة بسبب الاصطفاف الذي خلقه الانقسام.

ما يبرر للمتشائمين موقفهم، الطريقة التي تعاطت بها الحركتان مع المتظاهرين ضد الانقسام في الضفة الغربية وقطاع غزة، ذلك أن كل حركة حاولت أن تركب الحراك الشعبي وتوجهه لصالحها، لتثبت أنها مع كل حراك يدعو للوحدة، مع تحميل كل حركة للأخرى المسؤولية عن استمرار الانقسام وعدم الرغبة في إنهائه.

خلال أكثر من ثلاث سنوات من الانقسام، الذي بدأ مع سيطرة حركة “حماس” على قطاع غزة بالقوة في منتصف يونيو/حزيران 2007 إثر موجات دامية من الاقتتال مع حركة “فتح” والأجهزة الأمنية الموالية، تمترست كل حركة خلف مواقف باتت تشكل برنامجين متناقضين تماماً، كانا سبباً في فشل كل المبادرات التي رمت إلى التقريب بين الحركتين وإنهاء الانقسام.

ولعل اختلاف ما تضمنته مبادرة الرئيس عباس عن ما جاء في دعوة هنية له للقاء في غزة أو في أي مكان آخر، يضاف إلى التناقض الحاصل في مواقف الحركتين، واختلاف رؤية كل حركة عن الأخرى لجهة الآليات والطرق الكفيلة بإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة السياسية والجغرافية بين قطاع غزة والضفة الغربية .

بالنسبة لحركة “حماس”، دعوة الرئيس عباس لزيارة غزة تستهدف الاتفاق على ثلاثة ملفات: منظمة التحرير، والأمن عقيدته ومهامه، والمعتقلين وجمعيات “حماس” الخيرية المغلقة في الضفة الغربية.

أما بالنسبة للرئيس عباس، فإن الزيارة بهدف الاتفاق على ملف وحيد: الانتخابات، من دون الدخول في حوار جديد . الاختلاف في جداول الأعمال وما يهدف له كل جانب، سيمنع حدوث الزيارة بكل تأكيد، وإذا حدثت فإنها لن تنهي الانقسام، وربما ستساهم في تعميقه وتعزيزه، لجهة أن فشل الزيارة أو الصدمة من نتيجتها، سيدفع بملف المصالحة إلى “الثلاجة” ومن غير المحتمل أن يتم فتحه قريباً.

ثم إن هناك خلافاً جوهرياً بين واقع الأراضي الفلسطينية المحتلة، والدول العربية، التي شهدت حراكاً شبابياً ناجحاً، يتمثل هذا الخلاف في الاحتلال “الإسرائيلي” الذي يعتبر عاملاً رئيساً في المعادلة الفلسطينية، ويؤثر فيها بشكل كبير.

ويمكن هنا وضع التصعيد العسكري “الإسرائيلي” الذي يشهده قطاع غزة حالياً في سياق التطبيق الفعلي لرد فعل رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو الرافض والمندد بإعلان الرئيس عباس استعداده لزيارة غزة وتحقيق المصالحة مع حركة “حماس”، إذ استغل نتنياهو هذا للتحريض على عباس في المحافل الدولية، لجهة أن عباس متشدد في تحقيق السلام مع “إسرائيل” ويعرقل استئناف المفاوضات، في الوقت الذي يسعى لتحقيق المصالحة مع حركة “حماس”، وأن هذه المصالحة ستعرقل جهود التوصل إلى اتفاق تسوية يفضي إلى قيام دولة فلسطينية!، وكأن نتنياهو يريد أن يقول للفلسطينيين إن انقسامكم وفرقتكم وتشتتكم أفضل لكم من استعادة وحدتكم للوصول إلى حلم إقامة الدولة.

للمتشائمين ما يبرر تشاؤمهم، وللمتفائلين وهم قلة الحق في التشبث بأمل استعادة الوحدة الوطنية، لكن تبقى النتيجة رهناً بإرادة طرفي الانقسام، ومدى استعداد “فتح” و”حماس” للتنازل من أجل المصلحة الوطنية العليا.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع