ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
غرب النفاق
23/03/2011 [ 22:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: الصحفي: إسلام حلايقة.

    ليس ثمة من خدم الولايات المتحدة والغرب عموما، أكثر من الخادم المخلص برويز مشرف: النظام والشخص، فقد سخر هذا الرجل بلاده بطولها وعرضها، بجنودها وسلاحها، بأجوائها وحدودها الجغرافية لتسهيل غزو قوات الاحتلال الغربي المتحالفة لبلد إسلامي شقيق ومجاور، وهو أفغانستان، الذي عاثت به القوات الغربية الغازية، بقيادة الولايات المتحدة فسادا وأي فساد، فقد قتلت وجرحت وشردت الملايين، وحولت هذا البلد الى كتلة سياسية اجتماعية عسكرية ملتهبة، وجعلته قاعا صفصفا تكاد تستحيل به الحياة.

فلا شلال الدم الهادر النازف قابل للتوقف، ولا هدم البيوت الطينية البسيطة التي تؤوي الجياع المشردين متوقف هو أيضا، إضافة الى عدم وجود مؤسسات دولة حقيقية او اقتصاد او تعليم، او جيش وحدود أمنة، ورغم توظيف الغزاة الغربيين لعبد الله عبد الله ليمثل مسرحية رئاسة البلاد إلا أن الوضع ينتقل من سيئ الى أسوأ.

ورغم شدة إخلاص مشرف لأوليائه من الغرب، وعِظم أهمية تعاونه معهم إبان وبعد الحرب، إلا أن طيران الحلفاء ما انفك يدك ما اسماها 'معاقل طالبان' في الأراضي الباكستانية دكا عنيفا يكاد يكون يومي، ولاسيما في إقليم 'سهات'، وفي كل مرة يسقط عشرين وثلاثين ومائة باكستاني بين قتيل وجريح، وتدمر مبان ومنشئات وموارد حيوية بـ ' نيران صديقة' يرافقها – وبكل سخرية- الإعراب عن (قلق) غربي لسقوط مدنيين.

الرجل عينه ' مشرف' الذي كان بالأمس للغرب ولي حميم، أصبح اليوم عدو مبين، فاليوم وبعد أن امتص الغرب كل ما به من دماء، ولم يعد قادر على خدمة الغرب بقليل أو كثير، لفظه الغرب ورفع سيف العدالة والقانون في وجهه، وألصق به تهمة قتل 'بوناظير بوتو' رئيسة الوزراء الباكستانية السابقة وزعيمة معارضة عام 2007. وتتم هذه الأيام محاولة إعادته إلى باكستان ليخضع لمحاكمة 'عادلة'، دون أدنى اعتبار لما قدمه من مساعدات إستراتيجية للغرب.

يكاد المشهد ذاته يتكرر عند الحديث عن زعيمي تونس ومصر البائدين ونظاميهما، فقد بات من نافلة القول الحديث عن شدة شمولية نظام ' بن علي' وبشاعة ممارساته بحق شعبه وإذلاله لهم، من خلال بنائه لنظام ديكتاتوري بوليسي ظالم، موال للغرب أشد ولاء، قامع للشعب، قاتل للحريات، مغتصب للثروات. وقد كان الغرب يصف تونس في عصره بالحامية الجنوبية للقارة الأوروبية، باعتبار أن نظام بن علي يحول دون تحرك ' الإرهاب' ووصوله الى أوروبا شمالا، بل ومبالغة في ود ' بن علي ': للغرب فقد حول تونس الخضراء إلى منتجع سياحي يؤمه السياح الغربيين من كل الأصقاع وينعموا بنعيمه وسحر جماله وثرواته، وبينما كان بن علي يكدس أموال شعبه التي سرقها في البنوك الغربية، كان الشعب التونسي يتضور جوعا، وكان أمثال الشهيد 'محمد البوعزيزي' من الخريجين يملؤون البيوت دون ان يفهمهم طاغيتهم.

ورغم كل هذا الود للغرب من قبل بن علي إلا أن ذلك لم يشفع له أن تهبط طائرته الهارب بها لخمس دقائق عند 'صديق' قديم حديث كفرنسا، ولا في باقي الدول الغربية، ليضطر أن يهبط ذليلا خاسئا تحت جناح ديكتاتور آخر، هو الآخر أشد شمولية وقمعا للشعب وتقييدا للحريات منه، رغم أنه هو الآخر بدأت الأرض تهتز من تحته من قبل أبناء الحرمين، وهكذا انتهت حقبة سوداء، وطويت فصول تاريخ مظلم للتونسيين، ومُحي الطاغية من ذاكرتهم ومن ذاكرة العالم أجمع.

أما صنم مصر الذي جثم على صدر شعب أرض الكنانة العظيم ثلاثين عاما ونيف، والذي دمر العراق وشارك في احتلاله، وساهم بالتالي في قتل وتشريد الملايين من شعبه، من خلال تشجيع الغرب بالوصول للعراق وضربه من خلال تمرير المدمرات وحاملات الطائرات من قناة السويس التي يفترض أن تتحكم مصر بناصيتها. وقد دُمر العراق بالفعل، وسرق الغرب نفطه وثرواته، وقسمه الى ثلاثة دول، وأشعل فتيل الطائفية بين أبناء الشعب الواحد، بينما كان مبارك يتنزه في شرم الشيخ تارة، وفي واشنطن تارة، وفي تل أبيب تارة أخرى.

لم يقف هذا العبد عند هذا الحد من بره للغرب ووده لهم، بل وقد حاصر غزة، وقتل أطفالها من خلال منعه لوصول الدواء والحليب لهم، وتآمر عليها بحرب طاحنة لا تبقي ولا تذر، وزاد الحصار حصارا ببناء جدار فولاذي مكهرب حتى لا يتسلل جائع، أو يسافر مريض، أو يتحرك طالب علم إلى بلد آخر، بل واعتقل هذا الطاغية بالنيابة عن إسرائيل عناصر من المقاومة الفلسطينية وحقق معهم، وسامهم سوء العذاب ليبلغوا عن مكان وجود الأسير 'شاليط' أو عن تكتيكات المقاومة أو ما من شأنه أن يضر صديقته إسرائيل، لدرجة أن بعض هؤلاء المجاهدين قد استشهد أثناء التحقيق معه كالشهيد 'أبو زهري'، بل وأن مبارك أقفل معبر رفح في وجه المرضى والمصابين في الحرب والذين استشهد ولا زال المئات منهم لنقص العلاج.


لقد سخر هذا الرجل بلاده بلد الثمانين مليون، والتي تزيد مساحتها عن مساحة فلسطين التاريخية ببضع وسبعين مرة، سخرها لحفظ أمن الجبهة الجنوبية لإسرائيل، إضافة إلى أنه أمد إسرائيل بثروات بلاده من الغاز والنفط بثمن بخس، أي بثلث ما يشتريه المواطن المصري نفسه، بل قل أحيانا عن سعر تكلفة إخراجه وتصديره.

ورغم كل هذا فإن ذلك لم يشفع لهذا الطاغية عندما زمجز الشباب المصري الأبي، وقرر أن يستعيد كرامته، ويطهر البلاد من براثن الديكتاتور، وينهض بمصر وشعبها من هذا الذل والهوان الذي أغرقها به مبارك، فمنذ أن لاحت بالأفق بوادر تلك الثورة الشعبية الجماهيرية الميمونة، بدأ البيت الأبيض يقصف خادمه مبارك بتصريحات نارية مفادها ان ارحل، وقد اشتدت وتيرتها مع اشتداد وطيس الثورة التي خلعته وأعدمته سياسيا، وقد هرب جارّا أذيال الهزيمة، صاغرا خاسئا وحيدا، تلفه غمامة الذل، بعدما لفظه شعبه وداسه وداس نظامه، ورماه الغرب أجمع عن ظهر قوس واحدة، بعد أن أكله لحما ورماه عظما، ولم تغن عنه ملياراته الأربعين التي سرقها، وكذا هو مصير كل متآمر على شعبه، وبائع لكرامة أمته، في سبيل إرضاء الغرب المنافق، وهكذا كان مصير شاه إيران، وصدام العراق الذي ورطته امريكا بغزو الكويت ومحاربة إيران.

إن الأمثلة التاريخية والواقعية على نفاق الغرب وتقلبه وزيف شعاراته لا تكاد تحصى، ولا سيما الديموقراطية التي يقبلها في بلد ويرفضها في آخر، فالغرب الذي ينادي بالديموقراطية يقيم أوثق العلاقات ويبني أعظم جسور التواصل مع أشد الأنظمة شمولية وديكتاتورية ما دامت قادرة على حماية مصالحه، بل أنها ترفض بشدة وصول الديموقراطية الى شعوب العالم الثالث وتعاديها، وفي ديموقراطية فلسطين عام 2006 مثالا شاف على ذلك، لان الغرب يدرك تمام الإدراك أن وصول الديموقراطية لهذه البلدان يعني تقدم هذه البلدان وتحضرها، وانتعاش اقتصادها، وبالتالي منافسة الدول الغربية والتعامل معها بندية وليس بتبعية، وهل وصل اقتصاد إلى سموه الحالي، وهل تعاظمت تجارته وصناعته وارتقت إلا من خلال السوق العربي الواسع الاستهلاك، والحقل العربي الثري بالموارد، من خلال تحالفه غير المقدس مع أنظمة متسلطة.

وخلاصة القول أن الغرب غرب منافق مخادع مراوغ، لا يمكن لديكتاتور عربي أن يراهن عليه إلا الأبد، وتحكمه في تعامله مع الأطراف الدولية مصالحه الصرفة وليس غير ذلك، وهو يكيل بمائة مكيال وليس مكيالين فقط،  وهو لا تهمه قيم ولا أخلاق ولا ديمقراطية، ولا حرية تعبير أو تحرير المرأة، بل أن تلك مجر شعارات زائفة يتم توظيفها لتورية أهدافها الخبيثة المتمثلة في السيطرة وبسط النفوذ والصعود على أكتاف دول العالم الثالث، بل ومحاربته وإذلاله من خلال شعار ' محاربة الإرهاب' الذي يتم تحت ستارته محاربة مساجد المسلمين وحجابهم وثقافتهم، واحتلال أرضهم، مستفيدا من دعمه اللامحدود بالمال والسلاح لطغم فاسدة زرعها في معظم البلاد العربية والإسلامية، وأسقاها لبن الذل والولاء للغرب، من أجل قمع شعوبها وأحرارها، مع العلم أن هذه الأنظمة غير مخلدة، بل ويتم استبدالها والتخلي عنها بسهولة وسرعة بالغتين، عندما يقللوا من درجة ولائهم، او إن جاءت رياح التغيير بما لا تشتهي سفن الطغاة.

إليكم يا من تقدمون أوطانكم وشعوبكم قرابين رخيصة في سبيل إرضاء الغرب الذي يتستر على فحشكم وطغيانكم، تربصوا بأنفسكم فإن رياح التغيير ستجتث قصوركم، وإن مطر العقيدة سوف يطهر درنكم، ويجرف إفككم، وإن الدائرة تدور عليكم، وإن أمريكيا في طريقها لإعدامكم سياسيا كما بن علي، أو جسديا كما صدام حسين، وإن مصر مشرف وشاه إيران ومبارك بانتظاركم، يوم لا يعد بإمكانكم أن تفهموا أحد، أو يوم يقول أحدكم  يا ليتني أكلت يوم أكل بن علي، فاصطلحوا مع شعوبكم، وانحازوا لأمتكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعقلون.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع