ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
تزييف المعارك العادلة
21/11/2018 [ 08:20 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: الدكتور باسم الطويسي

من أكبر المحن الثقافية التي تشهدها المجتمعات تزييف المعارك العادلة مثلما أن يتنطح محامون فاسدون للدفاع عن معارك عادلة ، حدث ذلك مرارا على مدى عقود عديدة في المشهد العربي الحديث والمعاصر ، في حين تعمل هذه الظاهرة على ترسيخ حالة الضلالة التاريخية فإنها قد تنسج غشاوة على عيون الناس تمنعهم من إدراك ما يحدث لهم والأخطر أنها تفقدهم الثقة بكل نوايا التغيير .

كيف يفكر الناس في بلادنا في قراراتهم اليومية والمصيرية؟ ما هي الخلفيات التي تقف خلف تلك القرارات؟ ما دور كل من : الجهل والتضليل والخرافة والعلم والمعرفة والمصالح والدين والدين الشعبي والعصبيات والصور النمطية والمواقف المسبقة والعلاقات الأبوية والعلاقات الرعوية التقليدية والجديدة ؟ أي معركة تغير اجتماعي وثقافي نحتاج ؟ وكم من الزمن ؟ وكم من الأثمان تتطلب ؟ كل ذلك يُعنى بخلخلة بنى راكدة ترتبط بأنماط الإنتاج وعلاقاته وبأنماط العيش والتفكير معا.

في المقابل ما دور البنى المؤسسية في إنتاج كل تلك الأدوار بدءا من العائلة والعشيرة مرورا بالمؤسسات الدينية والمؤسسات الرسمية والمؤسسات المدنية؟

المجتمعات العربية خسرت في القرن العشرين معارك عديدة ؛ وفي هذا القرن يبدو أنها دخلت موجة ظلامية تعيد من خلالها الدوران في موجات تاريخية مرت بها سابقا فسؤال الدولة الأهم هذه الأيام هو سؤال الدولة الوطنية ، فقصة مدنية أو دينية يفترض أنها قصة مكررة وتجاوزتها الوقائع وما الأوضاع الراهنة إلا استجابة للفراغ الذي أوجده فشل الدولة الوطنية ؛ هذا الفشل كشف كيف أن النظم السياسية والكيانات لم تنتج أرضا صلبة بل تقف على قشرة رقيقة وتعاني هشاشة مفرطة.

فيما نكتشف كل يوم عمق الفقر الاجتماعي والثقافي للدولة الوطنية ؛ فلأول مرة تندمج القواعد الاجتماعية في النقاشات المحتدمة حول القيم الكبرى بفضل تكنولوجيا الاتصال والإعلام المعاصرة، ولأول مرة نكتشف حجم فقر فكرة الدولة وفكرة العقد الاجتماعي فلا يوجد تأصيل اجتماعي وثقافي يحملهما، فماذا تحمل القواعد الاجتماعية التي تسبح على صفحات الشبكات الاتصالية سوى ترديد أفكار أسيرة بالماضي وبصورة في أغلب الأحيان غير صادقة وغير تاريخية عن ماضيها؟

الرعوية الجديدة والقديمة لها امتداد ثقافي عميق فهي تصر على الاستمرار بالعلاقات الريعية اقتصاديا سواء مع الخارج أو مع مجتمعها لأن أحد أبرز أركان استمرار علاقات التبعية الرعوية يتمثل في استمرار الاعتماد الاقتصادي على حساب بناء قدرات إنتاجية محلية، في حين تنسج على حوافها رعوية ثقافية راكدة تتحول عبر عمليات التراكم الطويلة إلى أداة قوية تحمل المشروع الرعوي في نسخته الاقتصادية والسياسية وعلى الرغم أن حاكمية الرعويات الجديدة أكثر مرونة من السابق وتلبس أحيانا لبوسا ليبراليا وأحيانا تبدو أنها تسعى نحو الاقتصاد الاجتماعي إلا أنها تقدم مفهوم الولاء على مفاهيم الانتماء والصالح العام ، بمعنى أن أدوات الرعاية تستمر وتتجسد أكثر في الوقت الذي تتراجع عمليا أدوات الريع بمفاهيمه الاقتصادية والاجتماعية على وقع التحولات السياسية وتقلبات الأسواق والزيادة السكانية وتفاقم أزمة المجتمعات الاستهلاكية ، وتبقى تحتاج إلى كيمياء ثقافية بحجمها .

لا يوجد معركة أكثر عدالة من حق الناس في أن يعرفوا من هم، وإلى أين يمضون ، وكيف يتخذون قراراتهم اليومية؟ وما علاقاتهم بالمعاني والقيم الكبرى؟ وماذا يعني لهم الماضي والمستقبل؟ وهي معركة القيم الثقافية ، ولا يوجد محنة أكبر من أن تتحول هذه المعركة إلى ساحة للتزييف .

 

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع