ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
عن التغلغل التركي في المنطقة
06/06/2018 [ 14:56 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: عبد الغني سلامة

 فلسطين برس: مع وصول حزب العدالة والتنمية التركي إلى سدة الحكم 2002، تبنت الخارجية التركية سياسات جديدة، تهدف إلى خلق مزيد من العلاقات التجارية مع مختلف دول العالم. وكان من بين أولوياتها الاهتمام بالقارة الإفريقية.. وتنبع أهمية إفريقيا من فرصها الاستثمارية الواعدة؛ فخلال العقد الماضي حققت القارة الإفريقية معدل نمو وصل 5%، ومن المتوقع أن تصل قيمة الاقتصاد الإفريقي 29 تريليون دولار خلال العام 2050. وفي هذا السياق، أعلنت تركيا العام 2005 "سنة إفريقيا"، وبعدها بثلاث سنوات، عُقد أول مؤتمر شراكة تركي/إفريقي في إسطنبول، بحضور ممثلين عن 50 دولة إفريقية، بعد هذا المؤتمر بدأت تركيا بخطواتها الفعلية لتعزيز التعاون التركي/الإفريقي. وبدأت بالتركيز على السودان، تشاد، تونس.

ولإدراكها أهمية أعمال الإغاثة والمساعدات الإنسانية، اختارت تركيا هذا الباب لتدخل من خلالة القارة السمراء، وذلك عبر الهلال الأحمر التركي، ومؤسسة الوكالة التركية للتعاون والتنسيق؛ فقامت بافتتاح ثلاث مقرات لها في كل من الخرطوم، وأديس أبابا والعاصمة السنغالية داكار، لتسهيل مهامها الإغاثية. وبالفعل، خلال السنوات الأخيرة أصبحت المساعدات الإنسانية هي العنصر الأساسي ورأس الحربة في السياسة الخارجية التركية. وفي التقرير العالمي للمساعدات الإنسانية 2015، وصلت مساهمة تركيا في العمل الإغاثي الميداني 3.3 مليار دولار، وهو ما يضعها في المرتبة الثالثة عالميا ضمن أكبر الدول المساهمة في العمل الإنساني.

وهكذا، تحولت إفريقيا خلال السنوات الماضية إلى وجهة اقتصادية وسياسية للحكومة والشركات التركية، حيث تعمل مئات الشركات التركية متعددة التخصصات في مختلف مناطق القارة الإفريقية، حتى تضاعف حجم الاستثمارات التركية فيها خلال السنوات الخمسة الماضية ليصل 6 مليارات دولار.

كل هذا حسن وإيجابي، بل مطلوب، ويدل على سياسة تركية حكيمة، فعلى الأقل لا توجد سياسات عربية اقتصادية تجاه إفريقيا، الأمر الذي تركها ساحة مفتوحة لإسرائيل، وهذا يدعونا للتفاؤل بأن تركيا ستعوض هذا النقص، وستوظف علاقاتها مع بعض الدول الإفريقية لتصب لمصلحة القضية الفلسطينية، والقضايا الإسلامية الأخرى، ولمواجهة التغلغل الإسرائيلي.

لكن، كما هو في كل مكان وزمان، تكون المساعدات الإنسانية مجرد واجهة ومدخل، لتأتي من خلالها العلاقات الاقتصادية وفرص الاستثمار، وبموازاة، ولخدمة الأهداف السياسية، ومن ثم التطبيع الثقافي.. وهذا ما تفعله معظم الدول المانحة، والتي تهدف إلى التغلغل في المجتمعات الأخرى، لخدمة مآربها الاقتصادية والسياسية.

تونس، الدولة الوحيدة التي بالكاد نجت من سلبيات "الربيع العربي"، بسبب سياسات حزب النهضة الحكيمة والمعتدلة، والتي وضعت مصلحة الوطن قبل المصلحة الحزبية (وهو الحزب الإسلامي الوحيد الذي فعل ذلك)، ومع ذلك، يصعب القول أنه تنكر لأيديولوجيته، وعلاقاته الإخوانية؛ بل إنه عمق تحالفه مع حزب العدالة التركي، بشكل أضر بالمصالح الوطنية التونسية.

المحامية التونسية البارزة وفاء الحزامي شنت هجومًا شديدًا على حزب النهضة، متهمة إياه بفتح الباب أمام التغلغل التركي (ثقافيا واقتصاديا)، واتهمته بالتبعية لحزب أردوغان بسبب العلاقة الحزبية، وأنه خضع لمطالبه ضد مصالح تونس. واستشهدت على ذلك بإسقاط نواب حزب النهضة الفصل 36 من قانون المالية لصالح تركيا، والذي ينص على فرض تعريفية استثنائية على قائمة المنتجات الواردة ذات المنشأ التركي بنسبة 90%، وقالت: "عند التصويت على الفصل 36 رأينا أن نواب النهضة ينتصرون لتركيا على حساب قضايانا الاقتصادية".

ويقول مراقبون أن تركيا تحولت بعد عام 2011 من مجرد وجهة سياحية للتونسيين إلى حليف إستراتيجي اقتصادي لتونس، وبعد توقيع الرئيس التركي أردوغان على 3 اتفاقيات تعاون بين البلدين، وبوجود 50 مؤسسة اقتصادّية تركية في مجالات متعدّد؛ غزت البضائع التركية الأسواق التونسية، بالشكل الذي أضر كثيرا بالصناعات الوطنية التونسية، حتى بات المنتجات التونسية يتهددها الكساد والإفلاس. وقد بلغت قيمة التبادل التجاري بين تونس وتركيا مليارا و125 مليون دولار، وتجاوز العجز التجاري لتونس لصالح تركيا عتبة 1500مليار من المليمات سنويا.

وبالطبع، لن يتوقف الأمر عند المسألة الاقتصادية، فبعد محاولة الانقلاب الفاشلة على أردوغان، حققت تركيا «اختراقا» جديدا في تونس، فقررت الإستيلاء على المدارس التركية التابعة لفتح الله غولن، كما حدث للمدرسة التركية في العاصمة.

ومعلوم أن فتح الله غولن (المقيم في أميركا) تمكن من التغلغل في المجتمع التركي، ودخول مؤسساته الحساسة مثل الأمن والجيش والقضاء، بفضل المشاريع الخيرية والوقفية والمدارس، التي تديرها حركة «الخدمة» والتي تدرّ عليها أرباحا مالية طائلة. وهذا ما يحاول أردوغان تكراره، من خلال الإستيلاء على جميع مؤسسات ومدارس غولن المنتشرة في 50 دولة حول العالم.

وكان أردوغان قد هدد بامكانية مراجعة تركيا لعلاقتها مع كل من حركة النهضة التونسية وحزب العدالة والتنمية المغربي، إذا لم يتخذ هذان الحزبان مواقف إيجابية إزاء مطالب تركيا. ومن الواضح أن حزب النهضة استجاب لمطالب أردوغان. وفي سنة 2012 قدم 25 نائبا من حزب النهضة، مشروع قانون لاعادة نظام الأوقاف في تونس، الأمر الذي يسهل التغلغل التركي، إلا أن مشروع القانون تعطل.

وعلى ما يبدو، فإن المدارس والأوقاف والمشاريع الخيرية التركية مجرد مدخل للتطبيع الثقافي، فقد روت لي صديقة عادت مؤخرا من زيارة لتونس أن تونسيات أخبرنها أن جمعيات تركية تدفع مبالغ مجزية لكل فتاة تقرر ارتداء الحجاب التركي. ومعلوم أن الحجاب والجلباب التركي قد غزيا منطقتنا منذ زمن بعيد، حتى ألغى الأزياء الشعبية التقليدية (المحتشمة)، والتي كان غطاء الرأس جزءأ منها.

طبعا، تونس مجرد مثال لما تقوم به تركيا، والتغلغل التركي في المجتمعات العربية والإسلامية هو تكرار لما فعلته السعودية على مدار العقود الماضية؛ فتحت حجة نشر الإسلام وبناء المساجد والمراكز الثقافية نشر الفكر الوهابي المتشدد في عموم المجتمعات الإسلامية.

تماما كما تسعى إيران لتشييع بعض المناطق العربية، تعمل تركيا على "تتريك" المجتمعات العربية، على أمل استعادة الإمبراطورية العثمانية، ولكن على حساب العرب، ومصالحهم ومستقبلهم.

قد يستهين البعض بالأمر، لكن، الطريق إلى جهنم معبد بالنوايا الحسنة..

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع