ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
الحضارة المتلحّفة بثياب قايين
30/04/2018 [ 08:37 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: د.نسيم الخوري

فلسطين برس: أكتب هذا المقال وبين يدي الكتاب الضخم" ترامب بلا قناع"، فأرحل معه في سياسة الطموح والغرور والمال والنفوذ والدماء، وعصر مقتنيات العهد القديم وأفكاره، لترتسم في حبري ملايين الأسئلة. فبعد سيطرة الإنسان على الأرض واجتيازها وتحديدها واقتسامها وقوننتها بين الدول والشعوب، جاء اجتياز البحار والمحيطات والسيطرة عليها ليجد البشر أنفسهم اليوم أمام زمن قوننة الفضاء والخروج من التخبّط والتداخل الفوضوي في الاتصال بمختلف اللغات والثقافات والحروب والبث المحكوم بالفوضى العارمة. هل أجازف إن قلت: إن الحضارات اندثرت وتتحوّل الكرة الأرضية إلى معرض هويات من قايين إلى ترامب متداخلة متشابهة ومتنافرة ومتصادمة في ظلّ عنصر النار القوي إلى جانب العناصر الثلاثة التي كوّنت الإنسان أعني التراب والماء والهواء؟ قطعاً لا. لماذا؟ ما هي المسافة بين قايين وأي مسؤول أو زعيم في هذا العالم؟

من يملك الإجابة المحكمة ويمتلك الدواء الفعّال مثلاً حيال ما حصل ويحصل في مدننا ومدن غيرنا من القتل والذبح اليومي بكلّ الوسائل التي تتيحها التكنولوجيا كما بالحجارة والسكاكين ودهس المارة بالشاحنات في ساحات العواصم العالمية، كان آخرها في مدينة تورنتو بالأصقاع الكندية البعيدة؟ متى سيتمكّن العالم من التوفيق بين تكنولوجيا المعلومات المفتوحة الآفاق وشيوع الكراهيات المتعاظمة والإرهاب الهائل ليحافظ في الوقت نفسه على يقظة الناس المتعاظم في التعرف إلى معنى الديمقراطية وشعاراتها؟ أليس هناك من عودة متعاظمة إلى قايين أو أن الإنسان لم يخرج من حيوانه بعد؟

لا جواب نهائياً بعد! أنتظر بدايات حوار بين قادة التواصل الاجتماعي وقادة الفكر والسياسة بعدما كادت أن تصبح وسائط المعلومات والاتصال نقيضاً للديمقراطية وعدوتها، ويصبح الاتصال مرضيّاً مفكّكاً أي انقطاعاً حشر الإنسان في فردانية متوحشة وقاتلة. فقد بلغت الشهيّة الدولية، خاصةً الأميركية منها، الذرى في العمل على فرض ورفع الفكرة الديمقراطية إلى السماء، وبذر التجارب والأشكال التي تحقّقها على الأرض ورعايتها ونشرها وترسيخها بأنها فكرة غنيّة في توليد الحريّات والتطور وكشف الأغطية السميكة والمظلمة عن شعوب العالم، حتّى لو انزلقت هذه التجارب نحو السباحة في الدماء ناسفة أي طموح لبناء المجتمعات والأنظمة من أسسها. هي الفكرة القائلة بالتقدم والتغيير العجيب الريع لكنها المولّدة للعنف والضحايا وقلق الشعوب والأنظمة والتلاعب المعيب بالرأي العام.

بدأ يحلّ الوقت الذي يسمح فيه إبن الشرق الأوسط لنفسه مثلاً بالتفكير في الخروج من ملله بتعداد الضحايا والخرائب والضياع. وكأننا نستيقظ اليوم على مشاهد جمع الركام الذي يتمّ تحميله لأضواء وسائط التواصل الاجتماعي بمستقبل الدول والبشر في بلداننا ومن حولنا. لقد وقعت الكثير من الأنظمة في شبكة الإنترنت وأضاعت سلطاتها وقدراتها في ضبط الناس الذين أداروا في زمنٍ ظهورهم لكلّ ما هو حولهم، وراحوا يلهثون/ يلعبون بحثاً عن امتلاك كلّ الوسائل التواصلية التي عبّدت الطرق نحو أرجاء الدنيا الواسعة كما نحو الانتفاضات الشعبية التي شهدناها على سبيل المثال في إيران (2009)، كما في أرجاء العالم العربي الذي تبعثر واهتزّت مفاصله بدءاً من العام 2011 وفي أوكرانيا في الـ2013-2014. لقد تجاوزت الإستراتيجية حدود الألعاب الاتصالية، ووضع العالم يده على قلبه عندما استفاق على الإرهاب المتعدد الهويات، عاجزاً عن إيجاد صياغة دولية تشكّل الأساس الذي عليه يقوم الاستقرار، خصوصاً بعدما فلت التواصل والاتصال إلى الإمعان في نشر خطاب الكراهية والإرهاب المتعدّد الوسائل والأساليب المتلذذة بالقتل، والتحرش الجنسي والعرقي القاطن في شبكات الإنترنت إلى شيوع العنف والسطو والخدع والسرقات والحذف والإلغاء وكأننا في بداية التفاهم البشري.

صحيح أنّ تغريدة "تويتر" ومحتويات "فيسبوك" تغري الممسكين بزمام السلطات مثلاً وقد صارت أمضى من السيف أو القنبلة النووية وتأخذ مداها ودورها الواسع مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وصحيح أنّ الأنظمة خشيت العصر الرقمي وحافظت على مواقعها وراحت تسيطر على تلك الوسائط لتوظفها وكان أعظمها استخدام روسيا لها، كما تابعنا، للتدخل والتأثير في انتخابات أميركا وألمانيا وفرنسا وأوكرانيا، لكنّ الصحيح أيضاً أن التساؤلات بدأت تكبر وتتوسّع وبعض الأنظمة استفاقت لتكتشف ولو متأخرة في حسابات الأرباح والخسائر ضرورة البحث عن القوانين والأسس والتفاهمات التي تميّز بين شيوع الوسائط الاتصالية لنشر الديمقراطية بوصفها معرض القرن الواحد والعشرين ومحاولات ضبطها لحفظ حقوق الأفراد والجماعات ودول العالم.

فعلاً، هل بإمكان الولايات المتحدة المضي في نشر الديمقراطية بكونها سلعة مستوردة أم ينبغي على الديمقراطية أن تتطور محلياً وعلى مراحل ضرورية على علاقة بالثقافة والتطور الطبيعي؟ هل تتمكن الدول الفقيرة من القفز الخطر من فوق السطوح للّحاق بالعصر أو بالديمقراطية؟ ما هي السياسات الرشيدة والملائمة التي تعمل وتنجح وتغيّر وفي ظل أي ظروف؟ من هو صاحب الحق أو السلطة في هذا العالم لأن يجمع ويحتفظ بالبيانات والنصوص والصور التي تجمعها هواتفنا وساعاتنا ووسائلنا التواصلية المتّصلة في أقنية تصبّ كلّها في وادي السيليكون المتحكّم الناعم بمستقبلنا؟ كيف يفترض أن تستخدم هذه البيانات مستقبلاً وألا يتطلب استخدامها أخذ موافقة أصحابها؟ ومن هي الجهة الدولية التي تحاسب من يستخدمها من دون إذننا؟

وضعت ألمانيا قانوناً يفرض على شركات التواصل الاجتماعي حذف خطب الكراهية والأخبار الكاذبة خلال 24 ساعة تحت طائلة تغريمها بخمسين مليون يورو عند المخالفة. وقرأنا عن مشروع قانون سيناقش في مجلس الشيوخ الأميركي حول" صدقية الإعلانات" في وسائل التواصل الاجتماعي. هذا يعني أن جزءاً كبيراً من العالم يستيقظ أو يستدير اليوم بالعكس لوضع قوانين وأعراف دولية للشبكات الاتصالية عبر الفضاء، بعدما تمّ وضع قوانين بهدف تحديد الأراضي وقوانين دولية ترعى كذلك المحيطات والبحار. هذا أمر طبيعي كان من المنتظر الوصول إليه لأنّ وسائل التواصل الاجتماعي ليست بعيدة في "ثورتها" الاتصالية عن الصحافة المكتوبة والمرئية المسموعة التي قلبت الصور التقليدية وخضعت إلى القانون والمساءلة والقواعد الضريبية.

 

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع