ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
من شهرزاد إلى لوليتا
16/04/2018 [ 07:47 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: محمد علي طه

فلسطين برس: شنّ الإسلاميّون المتزمّتون قبل عقود حملة شعواء على الرّائعة الأدبيّة العالميّة "ألف ليلة وليلة" وبطلتها شهرزاد دفاعًا عن "الأخلاق الحميدة" وطالبوا بمصادرتها من المكتبات ومنع طباعتها من جديد ممّا أدّى إلى إصدارها بطبعة منقّحة بعد حذف مقاطع وقصائد منها، ولم يدرِ هؤلاء المتزمّتون أنّ هجومهم حقّق رواجًا واسعًا للكتاب ودعا القرّاء ليبحثوا عن النّسخة الأصليّة التي صارت تباع مهرّبة، فكلّ ممنوع مرغوب.

حاول، على مرّ التّاريخ وفي بلدان عديدة، عدد من الملوك والحكّام والسّياسيّين والعسكريّين والشّيوخ والكرادلة والبطاركة أن يقيّدوا الإبداع والثّقافة باسم "الأخلاق الحميدة" حينًا وباسم "الاله والدّين والأنبياء" حينًا آخر فصادروا كتبًا وأحرقوا مؤلّفات وسجنوا مبدعين وأعدموا أدباء ومفكّرين، ولم يعِ هؤلاء المرعوبون من الثّقافة أنّ الفنّ والأدب أقوى من سلطانهم، وأنّ التّاريخ سيطويهم ويجعلهم نسيًا منسيًّا في حين يبقى الفنّ الجميل والأدب الإنسانيّ الرّاقي، ولم يستوعبوا أيضًا أنّهم لا يستطيعون أن يطلبوا من الرّواية والقصّة والمسرحيّة والفيلم خلقَ "عالم جميل أخلاقيّ" لأنّ هذا العالم سيكون مزيّفًا في حين أنّ الأدب والفنّ صورة صادقة للحياة، ولم يميّزوا بين العمل الأدبيّ الفنيّ وبين كتب المواعظ الدّينيّة.

ليس غريبًا أن يحاول العساكر والطّغاة والمتديّنون المتزمّتون أن يكونوا رقباء على الأدب والفنّ وعلى الثّقافة عامّة لخوفهم من تأثيرها على الشّعب، وأن يصادروا كتابًا ويخنقوا أغنية ويسجنوا لوحة ويشنقوا مبدعًا، ولكنّ الغريب أن "تتقمّص" حركات نسويّة – من المفروض أنّها تقدميّة – دور الرّقيب العسكريّ وتتسربل ملابس العسكر وتنتعل أحذيتهم الثّقيلة وتطالب بمصادرة بعض الأعمال الأدبيّة بحجّة "الاعتداء الجنسيّ على الصّغار" كما هو الحال مع رواية "لوليتا" للكاتب الأمريكيّ الرّوسيّ الأصل فلاديمير نابوكوف (1899-1977).

ولوليتا هي قصّة رجل مسنّ يحبّ الفتيات الصّغيرات، وقد يراها قارئ "قصّة عنف رجل ضدّ امرأة" ويراها قارئ ثانٍ "قصّة اغتصاب فتاة صغيرة" ويراها قارئ ثالث "قصّة حبّ"، وقد رأى بعض النّقّاد أنّها رواية تصوّر الشّرّ الذي يمثّله الأقوياء والرّجال الغربيّون البيض ضدّ النّساء والفقراء والشّعوب المحتلّة.

من وظائف الأدب تصوير الرّذيلة بأقبح صورها ليشمئزّ القارئ منها ويبتعد عنها بحثًا عن الفضيلة. والفتاة الصّغيرة "لوليتا" بطلة الرّواية ليست مذنبة لأنّها تحوّلت إلى لعبة في يديّ المغتصب بل هي صرخة إنسانيّة ضدّ المغتصبين كما أنّ العبرة من هذه الرّواية هي "على كلّ فتاة أن ترفض الخضوع وألا تكون لوليتا".

ولا بدّ من أن نتساءل: هل رواية "لوليتا" لنابوكوف بداية الرّقابة النّسويّة على الأدب وقد تصل إلى روايات وقصص ومسرحيات وأفلام أبدعها عباقرة الأدباء والفنّانين من الشّرق ومن الغرب؟ وماذا عن قصص أنطون تشيخوف وجي.دي.موباسان وروايات تولستوي وفوكنر ومورافيا وقصائد أبي نواس والياس أبو شبكة ونزار قبّاني وحسين مردان وآخرين كثيرين؟!

رجاءً أيّتها السّيّدات ألّا تتحوّلن إلى رقيبٍ على الأدب والفنّ وعملية الابداع!

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع