ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
في بيوت العزاء
04/04/2018 [ 06:31 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: عبد الغني سلامة
فلسطين برس: قد يكون خبر الوفاة أسوأ خبر يتلقاه المرء طيلة حياته، وأشد وقعا على النفس من سواه، خاصة إذا جاء عبر هاتف في وقت متأخر من الليل، أو إذا قيل بطريقة فجة مباشرة.. البعض يلهمه الله الصبر، والبعض يصاب بالصدمة.. فينكر عقله الباطن الخبر، ويبدأ بالتصرف بطريقة غير متوقعة، وقد يبدأ بالهذيان.. وتلك آلية يتخذها "اللاوعي" لحماية العقل من هول الصدمة.. إلا أنها تتلاشى مع الوقت.. ليهمين الحزن بوقعه الثقيل على القلب.. ومع ذلك، كثيراً ما يجعل الحزن قلوبنا أكثر رقة ورأفة وحنية.. ترتبك مشاعر أهل المتوفى، خاصة في الساعات الأولى، بين مشاعر الحزن ومتطلبات وإجراءات الدفن والعزاء.. يتداعى الأهل والأصدقاء لتولي تصريف بعض التفاصيل الضرورية، وأحيانا تأتي شركات متخصصة بهذا الشأن، منها ما يستغل الحدث، فيطلب أسعارا مبالغا فيها، مدركين أن أهل الفقيد ليسوا في وضعية تمكنهم من التدقيق والمفاصلة. في المقبرة، وبعد الدفن، يأتي شيخ ليلقن المتوفى، ويدعو له بالرحمة، والثبات.. حتى لو كان يفعل ذلك للتكسب، فهذا لا ينتقص من إنسانيته، فتلك مسألة ملحة بالنسبة لأهل المتوفى.. ستحتاج من يتفرغ لها.. لكن بعضهم يتجاوز الدور المطلوب منه، فيبدأ بتقريع الناس، وتخويفهم من عذاب القبر. في بيوت العزاء.. يتوافد الأهل والجيران والأصدقاء.. يقدمون التعازي، ويشاطرون أهل الميت أحزانهم.. بعضهم يأتي مدفوعا برغبة صادقة للتخفيف من وطأة المصاب، أو لتقديم المساعدات اللازمة، التي يحتاجها أهل المتوفى في تلك الأيام العصيبة.. وبعضهم يأتي لنيل الأجر.. وبعضهم للتخفف من واجب لا بد منه.. ولرفع العتب.. ومع ذلك، وجود هؤلاء جميعا ضروري.. فأهل الميت يكونون في حالة صدمة، ويحتاجون من يواسيهم.. لكن البعض يفهم هذا الواجب بطريقة خاطئة، ومؤذية؛ فيمنعون ذوي المتوفى من البكاء، بطريقة فيها قدر كبير من قمع المشاعر، في الوقت الذي يكونون فيه بأمس الحاجة للبكاء، وللحزن بصمت، ودون تدخل الآخرين، ودون نصائحهم التي بكثرتها تصبح مزعجة.. فالآخرون يتوقعون أنه بمجرد ترديدهم بعض العبارات الجاهزة فإنه على الشخص المكلوم أن ينسى حزنه على الفور! في مجالس العزاء، خاصة عند الرجال، يتحدث المعزون في أمور عديدة، يصبحون محللين سياسيين واقتصاديين وخبراء في كل شيء! وفي كل مرة، لا بد أن يتواجد متحدث بارع، يسترعي انتباه الجلوس بنبرة صوته، وأحيانا يتواجد شخص فكاهي، فيحول مجلس العزاء إلى مسرحية كوميدية.. بعضهم بالفعل يكون خفيف الظل، ويعرف أين يتوقف، وإلى أي مدى يصل.. وبعضهم يتذاكى، ويتصنع، ويستخف دمه بإلقاء تعليقات غير مناسبة.. ثم يأتي أحد المشايخ، وغالبا ليس من أقارب المتوفى، فيبدأ بإلقاء درس ديني.. بعضهم يقول كلاما طيبا، بمشاعر دافئة، وبأسلوب حسن.. فيتقبله الحاضرون قبولا حسنا.. وبعضهم يلقي خطابا حفظه غيبا، وبعضهم يأتي لدوافع أيديولوجية.. وهؤلاء خطرون.. يستغلون بيوت العزاء، لتمرير أفكارهم الحزبية، أو للترويج لبعض المفاهيم السطحية، وأحيانا للخرافات.. لا يختلف الأمر كثيرا في مجالس النساء، التي تتحول أحيانا إلى مجالس نميمة، أو حفل تعارف، أو لقاء بين قريبات وصديقات بعد غياب سنين طويلة، بعض السيدات يأتين بكامل زينتهن "full make up"، وبعضهن يأتين للمواساة بمشاعر فياضة صادقة.. قديما كانت تأتي "اللطامات"، اللواتي يفتعلن النواح والنحيب لقاء أجر مادي.. وكما هي الحال عند الرجال، وبنفس السياقات، تأتي "الداعيات".. أي من حيث أن بعضهم/ن يأتي بنوايا صادقة عفوية تبتغي الأجر ونشر تعاليم الدين، وآخرون يأتون حاملين معهم أجندات سياسية.. وكما أن بعضهم/ن مثقف ومؤهل ومتمكن من الدين، آخرون يفتقرون للثقافة والأسلوب.. وكل ما يمتلكونه صوت جهوري وأسلوب خطابي، يرددون بعض الأحاديث والمأثورات والأدعية، التي تبدأ بدعاء الرحمة للميت، وتنتهي بأدعية سياسية، بصب اللعنات على خصومهم السياسيين.. عموما، يتكئ بعض الدعاة على قضية الموت لبناء أيديولوجياتهم... يضغطون على أكثر الأعصاب التهاباً في الجسد الإنساني... يضغطون على فوبيا الموت... ويغزلون مُقابله الحلم البديل... حلم الإنسان في الوجود أن يكون خالداً، لأن هذا الحلم لن يختلف أي إنسان عليه. ودوما ثمة إلحاحٌ شديد على التذكير بالموت، لخلق ثقافة الخوف من الموت، وفى الوقت نفسه يُقدّمون وعدا بالحياة الخالدة مرة أخرى لدغدغة مشاعر الإنسان المتلهف والمتشبث بالحياة والبقاء.. بعضهم يلقي خطابا مثقلا بالحزن واليأس، يصور الحياة بصورتها الحالكة، خطاباً يغلب عليه موضوع الآخرة ويوم الحساب، مع إقصاء متعمد لأمور الحياة، بما في ذلك الدين وتعاليمه وأصول المعاملات والأخلاق، مع تركيز مبالغ فيه على شكل التديّن، أو التدين الشكلي (الحجاب، مصافحة النساء، خروج المرأة من بيتها..) على حساب الجوهر والمضمون؛ مع مرور ولو بشكل خفي على الشأن السياسي، الذي غالبا ما يخدم أيديولوجية وأجندات الحزب القادم منه الواعظ أو الواعظة.. مستغلين الظرف العصيب الذي تمر به عائلة الفقيد، وحالة الصمت والإصغاء من قبل الحضور، الذين لا يجدون مناصا من الاستماع. ينتهي العزاء، ويتفرق المعزون.. وتغيب كلماتهم وتتلاشى في فضاء الأحزان.. يتصور البعض أنه بعد انقضاء الأيام الثلاثة على أهل المتوفى أن يستأنفوا حياتهم كما كانت من قبل! علماً أن أهل المتوفى تكون رحلتهم الحزينة قد بدأت للتو.. إذ يفرغ البيت من المعزين، ويبدؤون بتذكر مناقب الفقيد، وذكرياته الأخيرة، يتأملون بحسرة كل ما يذكّر به.. وهكذا تتحول صدمة الحزن الأولية إلى واقع جديد، صحيح أنه أخف وطأة، بيد أن إيقاعه بطيء وكئيب.. حيث إن العقل بدأ يستوعب فكرة الفقد، ومحنة الشوق الذي لا ينطفئ، وأن عليه أن يتعايش معهما طويلا.. من رحمة الله علينا، أن الأحزان تبدأ كبيرة، ثم تصغر.. وأن إيقاع الحياة أقوى من الموت، لأنها في دأب مستمر، ولا تعرف التوقف.. لا أراكم الله مكروها بعزيز.
تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع