ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
الفن والعصاب
25/03/2018 [ 06:55 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: عادل الأسطة
فلسطين برس: مرة رأت أمي - رحمها الله - الشاعر المرحوم عبد اللطيف عقل في أحد شوارع نابلس، فاستغربت من هيئته الخارجية التي استقر عليها في سنواته الأخيرة. شعر طويل شاب كله فغدا أبيض، مردود نحو الخلف ولحية بيضاء أيضاً أطلق الشاعر لها العنان فطالت. كما لو أن الشاعر فيلسوف إغريقي. كما لو أنه أرسطو أو سقراط أو أفلاطون كما تظهر صورهم، ولكن أنى لأمي أن تعرف هؤلاء والصورة التي استقرت لهم في أذهان المثقفين!؟ لا أذكر بالضبط العبارة التي تفوهت أمي بها فلم يبق منها إلا ظلالها. "هذا شخص مجنون" فابتسمت وقلت لأمي: "هذا أكبر مفكر وفيلسوف في نابلس وربما في الضفة الغربية كلها. إنه أستاذ جامعي وكان علمنا في المدرسة". حكمت أمي على الشكل الخارجي للشاعر وربما كانت بعض عبارات عنه تسللت إلى ذهنها من سكان المدينة التي هجاها الشاعر في شعره هجاء واضحاً. لفت نظري مبكراً فأنجزت أولى دراساتي القصيرة عن الشاعر والمدينة تحت عنوان "تجربة المدينة في شعر عبد اللطيف عقل" ونشرته في مجلة "البيادر" في 1977. هل كان عقل حقاً كما ورد على لسان أمي ولسان بعض سكان المدينة؟ كنت صديقاً للشاعر وكنت، قبل هذا، أحد طلابه وغالباً ما كانت العلاقة ودية وإن تخللتها فترات خصام. ولكني أبداً لم أقلل من قيمته الأدبية والشعرية، ومرة باح لي ببعض ما أشيع عنه. قبل أسبوع صورحت بما يشاع عني فابتسمت وتذكرت قصة عقل وما هو أكثر. وأنا أدرس المنهج النفسي في مساق "مناهج النقد الأدبي ومذاهبه" وغالباً من كتاب (ديفيد ديتشس) "مناهج النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق"، أتوقف طويلاً أمام علاقة الفن والعصاب "فماذا يقول علماء النفس ونقاد الأدب في شكل العلاقة بين الموضوعين: الفن والعصاب"؟ يربط عالم النفس الشهير (سيجموند فرويد) بين الفن والعصاب، فيما يذهب (يونج) إلى أن الآثار الأدبية أصداء لأساطير عريقة تتردد في حياة البشر. مثل (فرويد) الناقد الإنجليزي (أدموند ولسون) الذي ربط بين الفن والعصاب. لقد كتب هذا مقالاً عن مسرحية (سوفوكليس) "فيلوكتيتس" وربطت فيها بين الأمرين. إن بطل المسرحية مصاب بجرح في قدمه يخرج رائحة كريهة يتضايق منها الآخرون، ولكنه في المقابل يملك قوساً سحرية تمكن جيش بلاده من الانتصار. في الحروب الطروادية يصطحب الجيش (فيلوكتيتس) ويتضايق الجنود من رائحة قدمه فيقرر الجيش التخلي عن (فيلوكتيتس) وهكذا يتركه على جزيرة، ولكن الجيش يتذكر القوس السحرية التي تمكنه من الانتصار، لذا يعود ويصطحب (فيلوكتيتس) معه. يتحمل الجيش الرائحة حتى يتمكن من الانتصار. وهكذا يدفع الفنان مقابل رؤاه الخلاقة مرضاً. يتحمله الجمهور لكي يستمتع بفنه. ربما تذكرنا أسطورة (فيلوكتيتس) بقصة عنترة بن شداد. لم يكن والد عنترة يعترف به إلا عند اشتداد المعارك، فالقوة التي يمتلكها عجيبة. وهكذا كان أبوه وعمه وعشيرته، وقت اشتداد المعارك يقولون له: "كر وأنت حر"! وقد أدرك عنترة هذا فقال: ينادونني بالسلم يا بن زبيبة وعند اشتداد الهول يا ابن الأكارم/الأطايب. هل إذن نحن، الفنانين، مصابون بالجنون؟ الناقد وعالم النفس (ليونل ترلنج) له رأي مختلف هو أن الفنانين ليسوا وحدهم من يعاني من الجنون أو العصاب وليس العصاب مسؤولاً عن الإبداع. يرى (ترلنج) أن العصاب مسؤول عن النجاح والفشل والإخفاق، وعليه فجل المجتمع مصاب به. يفسر (ترلنج) الأمر على النحو الآتي: يلجأ أصحاب المهن الأخرى إلى الإخفاء والملاءمة، وهذا ما لا يلجأ إليه الأدباء والفنانون الذين يعبرون عن أنفسهم فيكونون أكثر عرضة للتفسير والتأويل. "الفن يفضح صاحبه" يقول بعض النقاد ويقوله أيضاً الأدباء الذين يمتلكون الجرأة. هكذا وحسب رأي (ترلنج) لا ينفرد الفنانون بصفة الجنون أو العصاب. إنما هم أكثر قدرة على التعبير عن أنفسهم ولا يبالون. هل كانت أمي على صواب؟ إذن فأنا كما يقال عني أو كما يشاع. هجا عبد اللطيف عقل المدينة هجاء مراً. المدينة ليس تعمرها الحكايا وأهلها ما اقترفوا جريمة التفكير مرة، وفي آخر أشهره قرر مغادرة نابلس ليستقر في رام الله. رحم الله الشاعر ورحم الله أمي وأما أنا فلا أرى في نابلس إلا مدينتي الثانية وربما الأولى.
تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع