ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
حتى لا يطول الانتظار
16/03/2011 [ 22:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: طلال عوكل

من غير المنطقي أن يتوقع أحد، بأن تبقى الساحة الفلسطينية متلفعة بثوب خصوصية زائفة تضمن لها أن تبقى خارج الحالة العربية التي تنتمي إليها لحماً وعظماً ودماً. لقد أصاب القضية الفلسطينية ما أصابها من هوان لأسباب عديدة، من بينها الهوان العربي الذي يرسم مشهده الجديد، الشبان الذين أخذوا على عاتقهم حمل أعباء عمليات التغيير في طول المنطقة وعرضها.

وعلى العكس، أيضاً، فإن ما أصاب الفلسطينيين وقضيتهم بسبب تشتتهم وانقساماتهم وضعفهم وسوء خياراتهم، قد ساهم بدوره في تراجع مقومات المشروع القومي العربي بكل أبعاده وحوامله، حتى باتت القطرية البغيظة قفصاً يضيق على طموحات وأحلام المواطن العربي.

قد يتأخر الأمر في هذا البلد العربي عن ذاك، وقد تستغرق عمليات التغيير أشهراً، ولكن واقع الحال، سواء عبر التجربة العيانية الملموسة، أو بسبب تشابه حال النظام العربي الرسمي، ولكن التغيير قادم لا محالة، وصاحب الحظ فقط هو من يبادر إلى الإقدام على عمليات إصلاح جذرية وحقيقية واسعة، بما يوفر على نفسه ومواطنيه الكثير من الوقت والجهد وربما العمليات الجراحية الصعبة.

وجود الاحتلال جاثماً على صدور الفلسطينيين، وحاضراً في كل لحظة بتأثير سياساته وعدوانه، قد يحسبه كعامل إضافي على ما يعانيه الفلسطيني كأخيه العربي على اعتبار أن هذا الاحتلال يرتفع بمستوى التحديات والتضحيات المطلوبة ما يحتاج إلى تمكين غير عادي للأوضاع الفلسطينية حتى تكون قادرة على مجابهة استحقاقات العامل الداخلي، بالإضافة إلى العامل الذي يتمثل بوجود احتلال من طبيعة استثنائية خاصة.

يمكن للفضائيات العاملة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ووسائل الإعلام الأخرى الفاعلة، أن تتواطأ أو تطنش الأحداث الداخلية، سواء بسبب سياسات أصحابها أو بسبب ما تتعرض له من ضغوطات وعمليات تخويف، غير أنها ستواجه مصيراً صعباً حين تفيض الأحداث عن قدرتها على مواصلة إغماض عيونها وآذانها.

الحراك الشعبي الذي ينهض على أكتاف الشباب الفلسطيني الغاضب لتوه قد بدأ، وبداياته كانت مبشرة، حيث خرج إلى الشوارع في غزة، وفي عدد من مدن الضفة، مئات الآلاف، يهتفون بصوت واحد 'الشعب يريد إنهاء الانقسام'.

البدايات كانت واعدة وجيدة، رغم كل محاولات قمع الحركة قبل أن تبدأ ورغم محاولات احتوائها في يوم بدايتها، ورغم القمع الشديد الذي مورس عليها في نهاية يومها الأول، واعتقد معه القامعون أنهم نجحوا في وأد الحركة قبل أن تتطور ويتصاعد دورها.

كان ما وقع في ساحة 'الكتيبة' في مدينة غزة، من قمع للشباب وضرب، ومصادرة للكاميرات وأدوات العمل، كان كل ذلك متوقعاً، ومدروساً مسبقاً، فبالرغم من هول الصدمة والحدث، وقسوة النتائج، إلا أن ذلك، ينبغي أن يكون قد دخل حقل الحسابات المسبقة للشباب المصممين على المتابعة مهما بلغت التضحيات.

إن شواهد اليوم الثاني بعد يوم الغضب في الخامس عشر من آذار الجاري تؤكد أن كل ما جرى ويجري إنما كان محسوباً ومعداً له من كل أطراف المعادلة، ولذلك كان من الطبيعي أن يسود القلق والاضطراب وأن تتصاعد حالة التوتر البادية على الجميع.

من الواضح أن الأمور لن تنتهي عند هذا الحد، فثمة محاولات لإعادة تنظيم الصفوف، لتحقيق انطلاقات أفضل، ما لم تطرأ عوامل جوهرية تؤدي إلى تغيير واقع الحال عبر الاستجابة لمطالب الشارع الفلسطيني.

بعض الفصائل مارست عصبويتها، حين آثرت رفع راياتها إلى جانب العلم الفلسطيني، لكن تلك الرايات لم تغط على كثافة العلم الفلسطيني الذي زيّن الحشود الكبيرة، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة. والفصائل، أيضاً، مارست وفق طبيعتها العاجزة، عن حماية الجماهير، والعاجزة عن النهوض بالأعباء التي تقدم الشباب للنهوض بها فما كان منها إلا أن تشارك من دون إعلانات، وأن ينضوي شبابها تحت رايات الشبان الذين أطلقوا المبادرة، إلى أن كان بإمكانها إصدار بيانات الإدانة والاستهجان لما جرى من قمع للشبان في ساحة الكتيبة بغزة.

وعلى الرغم من هذا المشهد القرمزي، الذي يعكس الأمل والألم في الوقت ذاته، تصدر المبادرات على عجل، فيعلن رئيس الحكومة المقالة في غزة الأخ إسماعيل هنية، دعوة لحركة 'فتح'، للالتقاء في أي مكان من أجل الحوار الشامل وتحقيق المصالحة، ثم يرد عليه الرئيس محمود عباس بمبادرة أخرى، يبدي خلالها الاستعداد للذهاب إلى غزة في اليوم التالي ليوقع اتفاقاً ويشكل حكومة في أسرع وقت.

التساؤلات التي أخذت تنطلق من الصحافيين، وبعض المراقبين بشأن قرب المصالحة الفلسطينية استناداً إلى هذه المبادرات، هذه التساؤلات تبدو مستعجلة، وهي في الواقع متفائلة أكثر من اللزوم.

هنية يدعو للحوار، والرئيس عباس يدعو للاتفاق والذهاب إلى خطوات إجرائية ملموسة، وبين هذه وتلك مسافة لا تردمها تصريحات ومبادرات امتصاصية، لا تستند إلى نضج كاف للظروف التي منعت إنجاح الحوار لإنهاء الانقسام حتى الآن.

إزاء القناعات فإن شيئاً جديداً كبيراً لم يطرأ، بالقدر الذي يؤدي إلى تغيير القناعات التي منعت نجاح الحوار والمبادرات السابقة، بالعكس فثمة انكفاء عملي للدور المصري سببه الأوضاع الداخلية، فيما كل طرف من أطراف الانقسام يقرأ التغييرات الجارية في المنطقة كل على هواه. وفي المقابل فإن الحركة الشعبية التي نشطت مؤخراً على السطح، لم تولد بعد الضغط الكافي القادر على التأثير في اتجاه تغيير مواقف وقناعات القيادات المنقسمة على ذاتها، حتى يمكن القول إن هذه القيادات أخذت تستجيب لاتجاه الحركة الجماهيرية.

على أننا لا نستطيع تجاهل هذه المبادرات، التي تصلح فقط كمؤشر على إمكانية تحريك المواقف باتجاه إيجابي في حال طوّرت الحركة الشبابية قدرتها على النشاط والتوسع، وتحقيق حضور قوي في الشارع.

حتى نصدق الأقوال التي لا تختلف كثيراً عما سمعناه في أزمان سابقة، لا بد من الإقدام بجرأة على اتخاذ بعض الخطوات العملية الملموسة من مثل وقف قمع الحريات والاعتقالات السياسية، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، ووقف عمليات التحريض الإعلامي والسياسي، ولا بد من إطلاق سراح الحركة الشعبية للتعبير عن رأيها ودورها، ولا بد من توفير مؤشرات ملموسة على صدقية الخطاب النظري، وإلاً فإن علينا أن ننتظر، ونأمل أن لا يطول الانتظار.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع