ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
مبادرة الرئيس: شجاعة الإقدام والالتزام
16/03/2011 [ 22:00 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: د. عبد المجيد سويلم

سيذكر التاريخ الفلسطيني للرئيس محمود عباس شجاعته ووطنيته والتزامه العالي بالمصالح الوطنية التي عبّر عنها بالاستعداد للتوجّه إلى قطاع غزة 'غداً أم بعد غد بيوم أو يومين أو ثلاثة أو أربعة أيام' وطلبه من السيد إسماعيل هنية استقباله بصحبة القيادات الوطنية في القطاع على معبر بيت حانون، في إشارات لا تخلو من الدلالات، بهدف الاتفاق الفوري على تشكيل حكومة وطنية متفق عليها يكون في سلّم أولوياتها التحضير لانتخابات تشريعية ورئاسية وانتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني، أيضاً، في أسرع وقت يتم الاتفاق عليه، وذلك بهدف إعادة توحيد جناحي الوطن وإعادة الشرعية لمؤسسات النظام السياسي كمؤسسات وطنية واحدة استعداداً لمعركة الاستحقاقات القادمة.

الرئيس الذي أكد بمسؤولية استثنائية وبشجاعة عزّ مثيلها في الواقع العربي عزمه على تسليم الأمانة (أمانة الحكم) وعلى حرصه أن تتسلم هذه الأمانة في ظل بيت فلسطيني آمن ومستقر وموحّد لمواجهة كل الظروف، شدد على أنه ليس ذاهباً للتفاوض أو المحاورة (فقد أشبع الحوار واستنفدت النقاشات وتم استخلاص العبر من كل أنواع الصيغ والعبارات والجمل والألفاظ والمفاهيم والأفكار)، وإنما هو ذاهب إلى حكومة ترعى الانتخابات وتعيد الأمور إلى نصابها وترد الأمانات إلى أهلها (والشعب هنا هو صاحب الأمانة ومالكها الوحيد) من أجل حياة ديمقراطية يتم فيها تداول السلطة وفق إرادة الشعب واختياراته الحرّة ووفق مبادئ وقواعد وأسس وتقاليد العلاقات الوطنية الراسخة.

الرئيس ذكّر بدرجة النزاهة التي تميزت بها الانتخابات الأخيرة (2006) واعتبرها واحدةً من أنزه الانتخابات في العالم.

وفي هذا الاطار أكد الرئيس دعوته للأمم المتحدة للإشراف المباشر 'وليس فقط المراقبة' على هذه الانتخابات إلى جانب الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وأية جهة دولية وأية شخصيات عالمية.

أعضاء المجلس المركزي صفقوا للرئيس ولمبادرته الشجاعة وقوفاً لعدة دقائق متواصلة في دلالة على مدى توق النخبة الوطنية بكل أطيافها لإعادة توحيد الوطن ودرء خطر الانقسام الذي سماه الرئيس بالانقسام الأسود.

لم يتوانَ الرئيس، أيضاً، عن تحذير حركة 'حماس' من مغبة إضاعة هذه الفرصة وحمّلها بصورة مباشرة مسؤولية إضاعتها. ومن حسن الحظ أن رد 'حماس' كان إيجابياً وعلى ما يبدو فإن هنية قد شرع على الفور بالترتيب لاستقبال الرئيس في غزة خلال أيام معدودة.

كان الرئيس وكأنه واثق من استجابة 'حماس' وكان يبدو فخوراً بحركة الشباب الفلسطيني وكان سعيداً بهذا الحراك، وأثنى على صدق نوايا الشباب ووطنيتهم ونزاهة مطالبهم بعيداً عن أية مكاسب خاصة أو اعتبارات فئوية أو حزبية، وهو الرئيس العربي الأول وربما الأخير الذي يلتقط الحدث ليسير في مقدمته بدلاً من اللهاث خلفه.

انتصر الرئيس للشارع الفلسطيني وانتصر للوطنية الفلسطينية ووضع الجميع أمام امتحان الجدارة الوطنية ومسؤولية الالتزام وشجاعة القرار الحاسم.

انتصر الرئيس على الذات الخاصة وقدم عليها الذات الوطنية، وبذلك خرج الرئيس من عباءة الفصيل ومن حدود الجغرافيا ومن قيود الجراح بل والجراحات السابقة وتجاوز كل الإساءات وقفز عن الكثير من مفردات التجريح ومن كل قاموس القبائل ليرفع من شأن الوطنية الفلسطينية وليعلي من كلمة الشعب ومن أهدافه الوطنية وحقوقه وتطلعاته وكل أمانيه في الوحدة وفي التلاحم انتظاراً للمعارك الفاصلة والقادمة في مستقبل الأيام القريبة.

وبقدر ما كان الرئيس شجاعاً وحليماً وصادقاً كعادته كان الرئيس ذكياً إلى أبعد الحدود، فقد وضع ووجّه من خلال هذه المبادرة الرسائل التالية:

أولاً: إن الخلاف في الساحة الفلسطينية ليس خلافاً سياسياً كبيراً إلى درجة تستدعي هذا الانقسام وتستدعي هذا التدمير الذي حل بالواقع الفلسطيني، وفي هذا الاطار قال الرئيس إنه يتحدى كائناً من كان أن يدله على تنازل واحد قدم بصورة رسمية بعد برنامج السلام الفلسطيني الذي أقره المجلس الوطني في العام 1988، وهو الذي عُرف ببرنامج 'هجوم السلام الفلسطيني'، مؤكداً أن الحل الذي نقبل به هو الحل الذي يؤمّن لشعبنا دولة وطنية مستقلة على كامل الأراضي التي احتلت العام 1967 بما فيها القدس الشرقية وفق حدود الرابع من حزيران والذي يضمن لشعبنا حقه في العودة في اطار حل متفق عليه كما جاء في مبادرة السلام العربية على قاعدة القرار 194.

ثانياً: الخلاف لم يعد على استراتيجية التفاوض وشروطه ولم يعد على استراتيجية المقاومة من عدمها والوقائع الحالية لحالة التفاوض وحالة المقاومة هي الدليل الأكيد على ذلك.

ثالثاً: إن قرار القيادة الفلسطينية لا ينبع ولا يمكن أن ينبع إلا من مصالح الشعب الفلسطيني (قرار الدائرة الصحيحة وليس الدائرة المريحة) وانه قرار وطني مستقل وها هي الأيام والوقائع والأحداث تثبت ذلك بالملموس وليس بالادعاء.

رابعاً: لن نستطيع مواجهة استحقاقات الخريف القادم سلماً أو حرباً، سواء بقيت الاتفاقيات أم انتهت، وسواء حصلنا على الاستقلال أم أُجبرنا على خيارات أخرى من دون الوحدة ومن دون التلاحم ومن دون طيّ صفحة الانقسام. من يريد أن يؤيدنا فأهلاً وسهلاً، من وقف في وجهنا فليس أمامنا سوى مواجهته.

خامساً وأخيراً: نحن جزء أصيل من حركة الشارع العربي وكل ما يهمنا أن يتم احترام إرادة شعوب أمتنا وأشقائنا وأن ندعو لشعوب أمتنا العربية بأن تتحقق لها كل أمانيها وتطلعاتها وأن تعيش بأمن واستقرار وأن تظل البلاد العربية هي بعدنا وعمقنا وخيمتنا الكبيرة.

للشعب الفلسطيني أن يفخر بهذا اليوم وبهذه المبادرة الشجاعة في يوم مشهود من أيام الوطنية الفلسطينية التي سيذكرها التاريخ بكل فخر واعتزاز وتقدير.

والشكر كل الشكر للرئيس الذي ترفّع وتسامى وتجاوز من أجل الوطن ومن أجل الحرية في يوم مُفعمٍ برائحة الاستقلال.

وكلنا أمل أن تشكل هذه المبادرة فاتحةً جديدةً علّ أن يكون نجاح الزيارة مقدمة لنجاح الاتفاق والويل لنا إذا أضعنا هذه الفرصة.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع