ارسل الخبر لصديق
|
|
|
|
|
PalPress
تسجيل دخول / تسجيل
ربيع فلسطين
21/03/2018 [ 12:07 ]
تاريخ اضافة الخبر:
بقلم: عبد الغني سلامة
فلسطين برس: يبدأ الربيع في فلسطين بعد انتهاء خمسينية الشتاء، في الحادي والعشرين من آذار؛ وهو يوم الاعتدال الربيعي في نصف الكرة الشمالي. ويتزامن مع أعياد النيروز في شمال العراق وإيران، وأعياد شم النسيم في مصر. ويطل علينا في كل عام كنتيجة طبيعية يولدها فصل الشتاء. لأن الربيع ابن الشتاء، فيأتي مشابها له في ملامحه، وانعكاسا لحالته، بما حمل من أمطار وساعات برودة تؤثر في حياة النبات والحيوان. وتقول الباحثة «نادية البطمة» في وصف الربيع: «ويخلط الناس بين الربيع كفصل من فصول السنة وبين العشب، فعندما يقولون: (طلع الربيع) يقصدون نما العشب، وهم يظنون أن العشب بعد خَلاصِه من أسْـر الشتاء يخرج ليغطي وجه الأرض بالخضرة والجمال، وهذا ما يمنح الناس إحساسا عاما بالدفء والمتعة». يبدأ الربيع بموسم اللوز، ويسمى شهر آذار شهر اللوز، حيث تكتسي الأشحار بحلتها البيضاء، وبعدها تبدأ نباتات الأرض وحشائشها بالنضوج، وأولها الفول الأخضر، حيث يحتل الفول الأخضر بأكلاته العديدة مركز الصدارة على المائدة الشعبية، لذلك يسمى الفول «الربيعية»، نسبة إلى الربيع. ومن ثمار الربيع أيضاً البازيلاء، والزهرة البلدية، والفراولة، والثوم، والبصل، والهندباء، والخبيزة، والزعتر، والميرمية، والحميضة، واللسينة، والزعمطوط، واللوف، والفطر (الفقع)، والهليون، والبلبلوز. ولوازم طبق التبولة من بقدونس ونعنع وخس، وورق الدوالي، أما الحمضيات فينتهي موسم معظمها مع انتهاء فصل الربيع. في نيسان يزدهر الربيع؛ فتتفتح أزهار الحنون (وهي الزهرة الوطنية لفلسطين، وحسب الأسطورة الشعبية، فقد نبت ورد الحنون من دم الشهداء، حتى احمرت وجنتاه)، ويزهر أيضا ورد الجوري والقرنفل والأقحوان، والنرجس، وقرن الغزال (حاولت إسرائيل أن تجعل منها زهرتها الوطنية، لكنها فشلت). ونيسان شهر الأعياد المسيحية: الفصح، وسبت النور، ويسمى هذا الشهر في الثقافة الشعبية بالخميس، لأن في كل يوم خميس من أيام هذا الشهر يجري فيه احتفال معين، فهو إذن موسم احتفالات، وشهرٌ يمور بالحيوية والعطاء، فيه تخضر الأرض ويعتدل الطقس وتتفتح الأزهار، إنه شهر الانطلاق والتجوال في الخلاء، والتمتع بالطبيعة بعد حشر الشتاء والبرد. ويعتبر شهر نيسان الحد الفاصل بين الشتاء والصيف حيث تنتهي الأعمال الزراعية الشتوية وتبدأ عمارة الأرض للزراعة الصيفية، لذا يقال: «في نيسان ظُب العدة والفدان». ويقال أيضا: «مية نيسان بتحيي الإنسان». في التراث الشعبي كانت تجري (أيام زمان) فعاليات متنوعة في أيام الخميس من نيسان، في الخميس الأول، ويسمى «خميس النبات»، كانت الصبايا ينطلقن إلى الخلاء يجمعن كل أنواع الزهور لتجفيفها واستخلاص الروائح والعطور منها. وفي الخميس الثاني، هو «خميس البيض»، أو «خميس الأموات»، تبدأ الاحتفالات بطواف الصبيان في الصباح الباكر ليأخذوا البيض المسلوق والملون بالألوان الزاهية والذي سلقته النساء مساء الأربعاء، ولأن في اعتقادهم أن توزيع البيض يكسب الثواب لموتاهم وخاصة الأطفال منهم، وفي الضحى يجتمع الرجال باب الجامع أو الكنيسة وفي الساحات العامة وتبدأ مطاقشة البيض. في الخميس الثالث، هو «خميس البنات»، تذهب البنات غير المتزوجات في هذا اليوم إلى البرية لجمع الأزهار ويقلن: (طقش ونتش شو بدو الراس يا شجرة؟) ثم يقمن بترك الزهور في الماء تحت نجوم السماء في الليل لتمارس تلك النجوم تأثيرها عليها، ثم تغسل كل فتاة شعر رأسها بذلك الماء المنجم، على أمل أن تجد كل فتاة عريسها. أما الخميس الرابع فهو «خميس الموسم»، وهو موعد بدء «موسم النبي موسى»، حيث يجتمع الناس لزيارة مقام النبي موسى شرق مدينة القدس بالقرب من أريحا. ووفقا لمواقيت المواسم الزراعية الفلسطينية يكون شهر شباط موعد تقليم الأشجار، وبالذات أشجار العنب «الدوالي»، وأشهر آذار ونيسان وأيار مواعيد مناسبة لحرث الأرض الشجرية وزراعة الخضرة الصيفية؛ كالباميا والفقوس والخيار والبندورة، وهي مواعيد حصاد القطاني كالعدس والفول والكرسنة. وفي الربيع - هو موسم توالد المواشي - تفيض المراعي بالخيرات وتخضرّ الروابي على امتدادها؛ فتجد الماشية حاجتها من الأعلاف الخضراء الطازجة الطرية، فتمتلئ ضروعها بالحليب، ويكون عادة هذا موسم تصنيع الجبنة واللبنة (المكورة بالزيت) والاستفادة من الكميات الفائضة من حليب الأبقار والأغنام، فتكثر المأكولات الربيعية التي يدخل فيها الحليب واللبن: مثل الهيطلية أو البحتية (أرز باللبن) أو المهلبية من نشاء القمح المجروش والمنقوع، ويعد منه أقراص محشوة بالبصل والبقدونس والبندورة، وتخبز بالطابون وهذه الأقراص الخشنة اللذيذة تغمس بالهيطلية وتسمى (بالكماميس). ويكثر الناس أيضاً من طبخ الشيشبرك أو (ذنين قطاط) من اللبن الطازج والعجين، كما يكثر أكل فتة الحليب بالزبدة البلدية الطازجة والسكر والعسل، وكانوا يعدون الفتة أحياناً بالجبن المتخثر غير المصفى الطازج. كما تُدق قرون الخروب الأخضر وينـزل منها ماء أبيض كالحليب يضاف إلى الحليب فيتخثر ويعطي طعماً لذيذاً، وهذا ما يُسمى المقيقة، ويصنع أيضا من عصارة ثمار التين غير الناضجة، حيث يحتوي على أنزيمات تسبب تخثر الحليب وتجبنه. وحسب الباحثة «البطمة»؛ فإن شهر أيار يسمى (جماد) في الذاكرة الشعبية، ولهذه التسمية دلالة زراعية حيث جماد يعني التيبّس، فحبة القمح تبدأ تتجمد وتتصلب في هذا الشهر، وهذه دلالة على نضج القمح في سنابله وجفافه، ليُحصد في حزيران، وبالتالي يكون أيار موسم الفريكة الخضراء. وهو أيضا «أيار شهر الرياحين والأزهار». وهذه الأمثال تبيّن ثمار وخيرات هذا الشهر: «أيار توت ومشمش وخيار»، و»في أيار كُل كوسا وخيار». وأيضا في أيار تنضج ثمار البصل والثوم، وخاصة في منطقة الأغوار وطوباس، وتكون مناسبة للإكثار من أكلة «المسخّن»، وهي أكلة تتطلب كميات كبيرة من البصل وزيت الزيتون والسمّاك، وفي هذا الموسم تفوح رائحتها الزكية من بين البيوت. ومن الأكلات التقليدية الفلسطينية المنتشرة أكثر في الخليل وغزة، طبخة «القدرة»، وتتكون من الأرز واللحم المقطع إلى قطع صغيرة، وبعض الحمص والسمن والبهارات الخاصة، والتي توضع في وعاء فخاري وتنضج في الفرن على مهل. ومن أشهَر خيرات الطبيعة في الربيع «العكوب»، وهو نبتة خضراء شوكية، تنبت في الجبال، وتنظيفه عملية صعبة؛ لكن طعمه لذيذ، ويعتبر من أطيب الأكلات الفلسطينية، وبالذات النابلسية. ويُطبخ مع اللبن المنضج باللحم، وبالإمكان قليه مع البيض. وربيع فلسطين الأجمل، قادم لا محالة..
تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع